تتعرض منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمخاطر مناخية مرتفعة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه وتكرار موجات الجفاف، غير أن اقتصادات المنطقة تتباين بشدة في هياكل مواردها وتركيب قطاعاتها بين بلدان خليجية غنية بالموارد الهيدروكربونية وبلدان غير خليجية تعتمد أكثر على الزراعة والسياحة والتحويلات الخارجية، ويطرح هذا التباين سؤالا منهجيا جوهريا عما إذا كان متوسط واحد لمنطقة بكاملها قادرا على تمثيل العلاقة بين تغير المناخ والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد تمثيلا وافيا ودقيقا، فقد تخفي المتوسطات الإقليمية أنماطا متعاكسة على مستوى البلدان والمجموعات الفرعية، ويترتب على ذلك خطر بناء تقييمات وسياسات على قراءة واحدة لا تناسب جميع بلدان المنطقة ولا تعكس ظروفها المتباينة، وتزيد حدة السؤال في منطقة تشهد معدلات احترار سريعة بينما تتفاوت قدرات بلدانها على التكيف بفعل تفاوت الدخل والبنية الاقتصادية والمؤسسية وفرص تمويل التكيف الأخضر وتباين اعتماد اقتصاداتها على القطاعات الحساسة للمناخ كالزراعة والمياه والطاقة والسياحة الموسمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى فحص العلاقة بين تغير المناخ والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد باستخدام لوحة بيانات تضم 11 بلدا من بلدان مختارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا خلال الفترة من 1995 إلى 2024، مع عناية خاصة بالتباين بين مجموعتي البلدان الخليجية وغير الخليجية وبالتباين على مستوى كل بلد على حدة، وتمثلت المتغيرات المناخية في شذوذ درجة الحرارة ومربع شذوذ درجة الحرارة ومؤشر التساقط والتبخر النتحي الموحد، وكان المتغير التابع هو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد، واعتمدت الدراسة نموذج التأخر الموزع الانحداري المعزز مقطعيا مقدرا أساسيا يراعي الاعتماد المقطعي بين البلدان وعدم تجانس الميول بينها، واستكملته بتقديرات متوسط المجموعة للآثار المشتركة المترابطة وتقديرات دريسكول وكراي بوصفها فحوصا مكملة للمتانة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- لم تظهر نتائج اللوحة الكاملة علاقة متوسطة قوية ومتسقة بين المتغيرات المناخية والناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد عبر المقدرات المختلفة المستخدمة
٢- أوحت تقديرات العينة الفرعية بنمط حراري سلبي محتمل في مجموعة البلدان غير الخليجية، غير أن الآثار الحدية المقابلة لم تكن دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة 5 في المئة، ولم يتكرر هذا النمط في فحوص الحساسية الإضافية
٣- لم تدل الاختبارات الصورية على وجود فرق دال إحصائيا بين استجابات البلدان الخليجية واستجابات البلدان غير الخليجية لدرجات الحرارة
٤- لم تغير مواصفات المتانة الإضافية المقدرة على اللوحة الكاملة هذه الخلاصة تغييرا جوهريا، فظلت العلاقة المتوسطة غير ثابتة الاتجاه والدلالة
٥- تسهم الدراسة في الأدبيات بفحص العلاقة المذكورة على ثلاثة مستويات متكاملة هي مستوى اللوحة الكاملة ومستوى المجموعات الفرعية ومستوى كل بلد منفردا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توحي النتائج بأن المتوسطات الإقليمية قد تخفي بعض التباين القائم بين البلدان والمجموعات، وإن حد صغر أحجام المجموعات الفرعية من قوة الاستدلال وجعل تلك الأنماط بحاجة إلى تأكيد في عينات أكبر وأوسع، ومن ثم ينبغي أن يراعي تقييم السياسات في المنطقة الظروف الخاصة بكل بلد بدلا من الاعتماد على متوسط إقليمي واحد، كما تتصل النتائج بالأهداف الأوسع للتنمية المستدامة ولا سيما الهدف الثامن الخاص بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، بما يربط التكيف المناخي بسياسات النمو والتشغيل في المنطقة، وتوجه النتائج أيضا الباحثين إلى توسيع عينات المجموعات الفرعية وإطالة السلاسل الزمنية متى توافرت البيانات حتى تختبر الأنماط الموحى بها باختبارات أقدر على الحسم، وإلى بناء سياسات التكيف على خصائص قطاعات كل بلد الإنتاجية المعرضة للمخاطر المناخية كالزراعة والمياه والطاقة والسياحة
وخلاصة القول إن أثر تغير المناخ في دخل الفرد ببلدان المنطقة غير متجانس ولا تصفه قراءة متوسطة واحدة وصفا كافيا، وإن بناء السياسات المناخية والاقتصادية على خصائص كل بلد وظروفه أرشد من تعميمات إقليمية قد تكون مضللة لصانع القرار
