يشهد النقاش القديم حول مفاضلات إضفاء الطابع الرسمي على مؤسسات مشاركة المواطنين ضمن الأطر القانونية انتعاشًا حاليًا مع انتشار جمعيات المواطنين، ويبرز فيه سؤال جوهري عن العلاقة بين المأسسة وبين قدرة هذه المؤسسات على الصمود والنجاح
ومن بين الحجج المؤيدة لمزيد من المأسسة توقع أن تحمي المؤسسات من التغيرات السياسية اللاحقة، ومن بين الحجج المعارضة الخوف من تبلور وصفات جامدة، إذ يمكن للمؤسسات المفرطة التنميط أن تصبح أكثر قابلية للتلاعب بها
وتسعى هذه الدراسة إلى تجاوز الثنائية البسيطة بين المأسسة وعدمها، مقترحة تعريفًا أدق للمأسسة وفحصًا لتجارب ثلاثة مؤسسات من أمريكا اللاتينية، لاستخلاص دروس عملية حول الشكل الأنسب للمأسسة في كل سياق
ويكتسب هذا النقاش راهنية خاصة مع انتشار جمعيات المواطنين القائمة على القرعة في ديمقراطيات كثيرة، وما يصاحبها من دعوات إلى تثبيتها قانونيًا، وهو ما يجعل فهم أبعاد المأسسة وشروط نجاحها ضرورة عملية لمن يصممون هذه المؤسسات أو يدافعون عنها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
قدمت الدراسة تعريفًا للمأسسة يحدد أربعة أبعاد مكونة لها، هي الصياغة الرسمية والتجذر السياسي والاحتراف والمشاركة الاجتماعية، مع ملاحظة ندرة تحقيق أي مؤسسة لدرجات عالية في الأبعاد الأربعة جميعها
واقترحت الدراسة أربعة حجج مترابطة، ثم اختبرتها بتحليل ثلاث مؤسسات من أمريكا اللاتينية، هي المبادرات الشعبية بوصفها اتخاذ قرار مباشر، والميزنة التشاركية بوصفها اتخاذ قرار تداوليًا، وجمعيات المواطنين القائمة على القرعة بوصفها تداولًا استشاريًا
واختبرت الدراسة حججها الأربع عبر تحليل ثلاث مؤسسات من أمريكا اللاتينية تمثل أنماطًا مختلفة من المشاركة، هي المبادرات الشعبية بوصفها اتخاذ قرار مباشر، والميزنة التشاركية بوصفها اتخاذ قرار تداوليًا، وجمعيات المواطنين القائمة على القرعة بوصفها تداولًا استشاريًا، مع تقييم كل مؤسسة على أبعاد المأسسة الأربعة
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: النقاش الحقيقي ليس حول المأسسة من عدمها بل حول التكوينات السياقية، أي أن السؤال المثمر هو أي شكل من المأسسة يناسب أي مؤسسة وفي أي ظرف
النتيجة الثانية: الصياغة الرسمية وحدها لا تضمن استمرار المؤسسات أو نجاحها، إذ قد توجد مؤسسات رسمية بالكامل لكنها هشة التأثير أو سهلة الالتفاف عليها
النتيجة الثالثة: يختلف مدى المأسسة وشكلها وينبغي أن يختلفا عبر المؤسسات ومع مرور الزمن، فما يصلح لمؤسسة في مرحلة التأسيس قد لا يصلح لها بعد ترسخها أو في سياق سياسي مختلف
النتيجة الرابعة: إذا برز بعد واحد للمأسسة بوصفه حاسمًا فهو التجذر السياسي، أي انغراس المؤسسة في شبكة العلاقات السياسية والمؤسسية التي تمنحها الحماية والموارد والاعتراف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتفيد هذه النتائج الباحثين في دراسات الديمقراطية التشاركية في تطوير أدوات تحليلية أكثر دقة لقياس المأسسة، تتجاوز مؤشر الصياغة الرسمية إلى أبعادها الأربعة مجتمعة
وعلى المستوى العملي، يمكن لمصممي مؤسسات المشاركة الاستفادة من هذا الإطار في بناء مؤسسات متوازنة، تعطي الأولوية للتجذر السياسي والمشاركة الاجتماعية بدل الاكتفاء بالاعتراف القانوني الشكلي
ويمكن للبحوث المستقبلية تطبيق إطار الأبعاد الأربعة على مؤسسات مشاركة ناشئة في مناطق أخرى من العالم، وفحص الكيفية التي يتغير بها التجذر السياسي مع تبدل الحكومات، بما يساعد على بناء نظرية عملية للمأسسة توازن بين الحماية القانونية والمرونة المؤسسية
وتحمل النتائج درسًا عمليًا مهمًا للدول التي تفكر في تثبيت جمعيات المواطنين قانونيًا، وهو أن الاعتراف الرسمي خطوة أولى لا تكفي وحدها، بل لا بد من بناء تجذر سياسي عبر إشراك الأحزاب والمؤسسات والمجتمع المدني، ومن احتراف إداري يضمن جودة العمليات، ومن مشاركة اجتماعية واسعة تمنح المؤسسة شرعيتها واستمرارها، وهو ما يجعل الاستثمار في التجذر السياسي والمشاركة الاجتماعية أولوية تسبق أي تعديل تشريعي إضافي
وخلاصة القول، السؤال ليس كم نُشرّع من المشاركة بل كيف نُجذّرها سياسيًا واجتماعيًا، والمأسسة الجيدة هي التي تحمي المؤسسة دون أن تجمدها
المصدر الأصلي: https://www.cogitatiopress.com/politicsandgovernance/article/view/10638
DOI: 10.17645/pag.10638
