يُنظر إلى التحول الأخضر على نحو متزايد بوصفه تحولًا غير عادل من أصحاب مصالح متنوعين، وتدور النقاشات الأكاديمية حول إزالة الكربون وتشريعات التخلص التدريجي من الفحم والتهافت على المعادن الحرجة وأشكال الطاقة المتجددة الجديدة والاستراتيجيات الإقليمية وغياب آليات تنسيق فعالة والفجوات السياسية بين استراتيجيات التنمية الاقتصادية وتنمية القوى العاملة وبين الحمايات الاجتماعية الإيكولوجية، وتتصدى هذه الدراسة لهذه النقاشات من خلال ست دراسات حالة نفذت بين عامي 2023 و2025
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى تحديد مواطن الهشاشة المستقبلية الناشئة عن إعادة إنتاج أوجه عدم المساواة الاجتماعية البيئية المتقاطعة في التحول العادل للاتحاد الأوروبي، وتوسيع إطار العدالة الاجتماعية البيئية عبر عدسة العدالة البيئية المحتملة، وتعتمد دراسات حالة مقارنة تنخرط تجريبيًا ونوعيًا مع الآثار القاعدية للتحول في جنوب أوروبا وشرقها، فتناقش شروطه البنيوية وتوثق الخبرات المعيشة المرتبطة بالمكان
ثانيًا: أبرز النتائج
أولًا، يوسع منظور العدالة البيئية المحتملة إطار العدالة الاجتماعية البيئية، بتركيز التحليل على الإنتاج المحتمل للعدالة الاجتماعية البيئية وعلى صناعة مناطق التضحية الخضراء
ثانيًا، يدعو المنظور البحث والسياسات إلى مواجهة أوجه عدم المساواة البنيوية المتقاطعة القطاعات التي ترثها سياسات التحول الأخضر بوصفها تعبيرًا عن الرأسمالية الخضراء وتضخمها غالبًا
ثالثًا، تسد الدراسة فجوة في الدراسات المقارنة التي تنخرط تجريبيًا ونوعيًا مع الآثار القاعدية للتحول، إذ قلما وثقت هذه الدراسات كيف يعيش الناس التحول في أماكنهم
رابعًا، ترسم الدراسة خريطة لإعادة الهشاشة المحتملة في التحول الأخضر والعادل في أوروبا، ولصناعة مناطق التضحية الخضراء التي تصور فيها جماعات وهويات وأراض وسبل عيش معينة بوصفها قابلة للاستغناء في سبيل أهداف المناخ
خامسًا، تبني الدراسة فهمًا لما يعنيه أن يصبح المرء هشًا في الظل التقني للتحول الأخضر في أطراف أوروبا، حيث تصاغ القرارات بلغة تقنية تحجب آثارها الاجتماعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا مزدوجًا للبحث والسياسات، إذ تمنح صانعي السياسات عدسة استباقية لرؤية الهشاشة قبل أن تتجذر، وتمنح الباحثين إطارًا مقارنًا يربط بين الشروط البنيوية والخبرات المعيشة، وتحذر من أن عدالة التحول لا تقاس بنوايا السياسات بل بمن يتحمل كلفتها ومن يصور بوصفه قابلًا للاستغناء
ويمنح منظور العدالة البيئية المحتملة البحث والسياسات قدرة استباقية، فبدل الاكتفاء بقياس الظلم بعد وقوعه، يتتبع كيف تنتج السياسات الهشاشة قبل أن تتجذر، عبر قرارات تبدو تقنية محايدة لكنها تصور جماعات وأراض وسبل عيش معينة بوصفها قابلة للاستغناء، ويكشف هذا المنظور أن التحول الأخضر ليس عملية تقنية فحسب، بل عملية توزيع للمنافع والأعباء، وأن غياب التنسيق بين استراتيجيات التنمية الاقتصادية وتنمية القوى العاملة والحمايات الاجتماعية الإيكولوجية يفاقم هذا التوزيع غير العادل
كما تسد الدراسة فجوة منهجية في الأدبيات المقارنة، إذ قلما انخرطت الدراسات تجريبيًا ونوعيًا مع الآثار القاعدية للتحول في جنوب أوروبا وشرقها، وتربط الدراسة بين الشروط البنيوية والخبرات المعيشة المرتبطة بالمكان، فتظهر كيف تترجم الاستراتيجيات الإقليمية وسباقات المعادن الحرجة وسياسات التخلص من الفحم إلى تجارب يومية لسكان الأطراف، وتمنح صانعي السياسات خريطة لمواطن إعادة الهشاشة المحتملة قبل أن تتحول إلى واقع دائم
وتحمل الدراسة رسالة مباشرة لصانعي السياسات، فعدالة التحول لا تقاس بعدد المشاريع الخضراء ولا بحجم الاستثمار، بل بمن يتحمل كلفتها ومن يشارك في قرارها، وتدعو إلى آليات تنسيق فعالة تربط بين التنمية الاقتصادية وتنمية القوى العاملة والحمايات الاجتماعية الإيكولوجية، وإلى إشراك المجتمعات المحلية في تصميم المشاريع منذ بدايتها، حتى لا تصبح الأطراف مناطق تضحية في سبيل أهداف مناخية تقرر بعيدًا عنها
وخلاصة القول إن التحول الأخضر قد يعيد إنتاج الظلم الذي يدعي معالجته، وإن العدالة الحقيقية تبدأ حين نسأل من يدفع ثمن المناخ ومن يقرر أنه قابل للاستغناء، قبل أن تتحول الهشاشة المحتملة إلى واقع دائم، في أطراف أوروبا وخارجها
