تعد اليونان مثالًا فريدًا بين الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، إذ تسمح بتطبيق الشريعة من قبل المفتي على فئة محددة من مواطنيها، وهم أعضاء الأقلية المسلمة في تراقيا الغربية الواقعة في شمال شرق اليونان، لكن قرارات المفتي لا تنتج آثارها إلا بعد أن تخضع للمراجعة وأن تُعلن قابلة للتنفيذ من قبل المحكمة المدنية، وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف الإطار القانوني الذي ينظم هذه المراجعة القضائية، وهو الإطار الوارد في القانون رقم 4964 لسنة 2022 والمرسوم الرئاسي رقم 52 لسنة 2019، اللذين يحددان تفاصيل المراجعة ومداها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى رسم خريطة دقيقة للمراجعة القضائية التي تخضع لها قرارات المفتي قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ، وتتناول أولًا شرط منح الصيغة التنفيذية للتحكيم الديني، وهو الشرط الذي يمثل بوابة دخول القرار الديني إلى النظام القضائي المدني، ثم تتدرج في عرض المستويات التي تمتد إليها المراجعة، فتبدأ بمراجعة نطاق الاختصاص، ثم تنتقل إلى مراجعة التوافق مع الدستور ومع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ثم تتناول مسائل إضافية أثارها المرسوم الرئاسي رقم 52 لسنة 2019 على وجه الخصوص، وتختم بملاحظة أخيرة تتعلق بالأخطاء المحتملة في التحكيم الديني، سواء أكانت أخطاء في القانون أم أخطاء في الوقائع، وهي أخطاء تظل خارج نطاق المراجعة
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: يمثل شرط منح الصيغة التنفيذية آلية توازن دقيقة، إذ يسمح بوجود قضاء ديني خاص بالأقلية المسلمة مع إبقاء قراراته تحت إشراف القضاء المدني، فلا يكتسب القرار الديني قوته التنفيذية إلا بعد عبوره هذه البوابة القضائية
النتيجة الثانية: تمتد المراجعة القضائية عبر مستويات متدرجة تبدأ بفحص نطاق الاختصاص، أي التأكد من أن القرار صدر ضمن حدود الولاية الممنوحة للمفتي، ثم تتسع لتشمل فحص التوافق مع الدستور ومع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مما يربط القضاء الديني بمنظومة الحقوق الأساسية
النتيجة الثالثة: يضيف المرسوم الرئاسي رقم 52 لسنة 2019 مسائل إضافية للمراجعة تتجاوز النقاط السابقة، مما يمنح المحكمة المدنية أدوات أعمق لفحص القرارات الدينية قبل إعلانها قابلة للتنفيذ
النتيجة الرابعة: تظل الأخطاء المحتملة في التحكيم الديني، سواء في القانون أو في الوقائع، خارج نطاق المراجعة، مما يرسم حدًا واضحًا لتدخل القضاء المدني ويترك مساحة من الاستقلال للقضاء الديني ضمن إطاره الخاص
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا مهمًا في فهم العلاقة بين التعددية القانونية وحماية الحقوق الأساسية، إذ تبين كيف يمكن لدولة أوروبية أن تستوعب قضاءً دينيًا خاصًا دون التخلي عن ضمانات الدستور والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ويمكن أن يستفيد من تحليلها المشرعون والقضاة والباحثون في القانون المقارن، كما تفتح الدراسة بابًا للتساؤل عن مدى كفاية حدود المراجعة الحالية، ولا سيما في ما يتعلق بالأخطاء الخارجة عن نطاقها، وهو سؤال يمس جوهر التوازن بين احترام خصوصية الأقلية وضمان العدالة للأفراد
ويمنح هذا التدرج في مستويات المراجعة المحكمة المدنية أدوات متدرجة للفحص، فمراجعة نطاق الاختصاص تضمن بقاء القرار الديني ضمن حدود الولاية الممنوحة للمفتي، ومراجعة التوافق مع الدستور والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تربط القضاء الديني بمنظومة الحقوق الأساسية التي تلتزم بها اليونان بوصفها دولة عضوًا في مجلس أوروبا، وتضيف المسائل التي أثارها المرسوم الرئاسي رقم 52 لسنة 2019 طبقة إضافية من الفحص تتجاوز النقاط التقليدية، مما يعكس إدراكًا تشريعيًا بأن الإشراف القضائي لا ينبغي أن يقتصر على الشكل بل يمتد إلى مضمون القرار وآثاره، وفي الوقت نفسه يرسم بقاء الأخطاء في القانون والوقائع خارج نطاق المراجعة حدًا واضحًا يحفظ للقضاء الديني مساحة من الاستقلال، ويجعل التوازن بين الإشراف والاستقلال سؤالًا مفتوحًا أمام المشرعين والقضاة والباحثين، ويستدعي هذا التوازن نقاشًا مستمرًا حول حدود الرقابة ومداها في المجتمعات التعددية
وخلاصة القول إن النموذج اليوناني يقدم تجربة نادرة في التوفيق بين القضاء الديني والرقابة المدنية، تجربة تستحق الدراسة المتأنية لما تكشفه عن حدود التعددية القانونية وإمكاناتها
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2075-471X/12/3/58
DOI: 10.3390/laws12030058
