0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

انحياز وسائل الإعلام عبر المتلازمات اللفظية: دراسة مدوناتية للتغطية الإخبارية المصرية والإثيوبية لسد النهضة الإثيوبي الكبير

دراسة مدوناتية مقارنة لتغطية مصرية وإثيوبية لسد النهضة تكشف كيف يصوغ كل طرف روايته الوطنية عبر اختيار الكلمات، فالمصرية تؤطر السد أزمة وانتهاكًا للقانون الدولي، والإثيوبية تصور مصر متجاهلة لحقوق التنمية ومحتكرة لموارد النيل، وتوظف التحليل النقدي للخطاب والمتلازمات اللفظية عبر مدونتين تتجاوزان مليون كلمة

ملخص عربي للدراسة الأصلية | Humanities and Social Sciences Communications | 2024-05-27

يحتل سد النهضة الإثيوبي الكبير موقعًا مركزيًا في النقاش العام حول مياه النيل ومستقبل العلاقات بين دول الحوض، وقد رافق تشييده تغطية إعلامية كثيفة اتسمت بتباين واضح في اللغة والتأطير بين وسائل الإعلام المصرية والإثيوبية، وتسعى هذه الدراسة إلى تجاوز الانطباعات العامة عن ذلك التباين نحو فحص منهجي للغة المستخدمة في التغطية والافتراضات الأيديولوجية الكامنة وراءها، فالخطاب الإعلامي لا ينقل الوقائع فحسب بل يصوغها ويوجه فهم الجمهور لها، ومن ثم فإن تحليل المفردات والمتلازمات اللفظية يفتح نافذة مهمة على كيفية بناء كل طرف لروايته الوطنية وتبرير مواقفه الدبلوماسية

وتكتسب الدراسة أهميتها من كونها تتناول ملفًا ما يزال حاضرًا بقوة في الوعي العام العربي والأفريقي، إذ تتقاطع فيه قضايا السيادة والتنمية والأمن المائي، كما أن فهم آليات الانحياز الإعلامي يساعد القارئ على قراءة الأخبار قراءة نقدية واعية، ويمكّن الباحثين والإعلاميين من تمييز التأطير عن الخبر، والرأي الضمني عن المعلومة، وهو ما يمنح الدراسة قيمة تتجاوز حالة السد نفسها إلى فهم أوسع لدور الإعلام في النزاعات العابرة للحدود

ويستند التحليل النقدي للخطاب إلى فكرة أن اللغة ممارسة اجتماعية لا مرآة محايدة للواقع، فاختيار المفردات وترتيبها وبناء الجمل يشارك في إنتاج المعنى وتوجيه التفسير، ولذلك يولي هذا النوع من التحليل اهتمامًا خاصًا بالمتلازمات اللفظية، أي الكلمات التي تتكرر معًا على نحو دال، لأنها تكشف الارتباطات الذهنية التي يرسخها الخطاب الإعلامي لدى الجمهور، فحين تتكرر مفردة الأزمة مقترنة بمشروع السد في تغطية ما، وحين تتكرر مفردة الحقوق مقترنة بالتنمية في تغطية أخرى، فإن القارئ يتلقى رسالتين مختلفتين عن القضية نفسها، ومن هنا تأتي قيمة المنهج المدوناتي الذي يجمع بين الدقة الكمية في رصد التكرارات والعمق النوعي في تفسير سياقاتها

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

هدفت الدراسة إلى مقارنة الخطاب المحيط بتشييد السد في مصادر إخبارية مصرية وإثيوبية، والكشف عن اختلافات اختيار الكلمات والانحيازات الكامنة في كل تغطية، واعتمدت منهج تحليل الخطاب النقدي، فحللت مدونتين إخباريتين إلكترونيتين باللغة الإنجليزية تجاوز مجموع كلماتهما مليون كلمة عبر 2655 مقالًا، وبدأ التحليل بتحديد الكلمات المفتاحية الدالة إحصائيًا في كل مدونة ثم فحص سياقاتها عبر تحليل مقارن للمتلازمات اللفظية، وفُسّرت المعطيات في ضوء إطار فيركلف ثلاثي الأبعاد الذي ينظر إلى النص والممارسة الخطابية والممارسة الاجتماعية، مع توظيف مفهوم المربع الأيديولوجي لدى فان دايك لاستكشاف أنماط التمثيل الإيجابي للذات والسلبي للآخر

ثانيًا: أبرز النتائج

أولًا، أظهرت النتائج أنماطًا متميزة من الانحياز في تغطية البلدين معًا، فلم تكن التغطية محايدة في أي من الجانبين بل اتسقت اختياراتها المعجمية مع المصالح الوطنية والمواقف الدبلوماسية لكل طرف، وثانيًا، مالت وسائل الإعلام المصرية إلى تأطير مشروع السد بوصفه مصدرًا للأزمة، فصوّرت إثيوبيا بوصفها تنتهك القانون الدولي وتفاقم التوترات السياسية، وثالثًا، مالت المصادر الإخبارية الإثيوبية إلى تصوير مصر بوصفها تتجاهل حقوق إثيوبيا التنموية وتحتكر موارد النيل، ورابعًا، كشفت هذه الاستراتيجيات الخطابية عن اتجاه أوسع في الانحياز الإعلامي، حيث تنسجم الخيارات المعجمية وتقنيات التأطير مع المواقف الوطنية، فتتحول اللغة إلى أداة لتعزيز الرواية الذاتية وتقويض رواية الطرف الآخر

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تقدم الدراسة إسهامًا منهجيًا ومعرفيًا في آن واحد، فهي توظف أدوات لغوية دقيقة لدراسة ملف سياسي راهن، وتبرهن على أن الانحياز الإعلامي لا يقتصر على الآراء الصريحة بل يتسرب عبر اختيار الكلمات وتراكيبها، كما تفتح نتائجها الباب أمام دراسات مقارنة أخرى تتناول تغطية النزاعات المائية والملفات الإقليمية المشابهة، وتفيد الإعلاميين والباحثين في بناء وعي نقدي بالخطاب الإخباري، وتدعو إلى تغطية أكثر توازنًا تفسح المجال لأصوات متعددة بدل الاكتفاء بالرواية الوطنية الواحدة

وخلاصة القول إن الدراسة تكشف كيف يتحول الخطاب الإعلامي إلى ساحة يعاد فيها إنتاج النزاع حول السد، فالكلمات لا تصف الواقع فحسب بل تشارك في صنعه، والوعي بآليات التأطير خطوة ضرورية نحو فهم أعمق للملف ولدور الإعلام في تشكيل الرأي العام حوله

المصدر الأصلي: https://www.nature.com/articles/s41599-024-03145-8
DOI: 10.1057/s41599-024-03145-8

سلة طلب الرسائل (0)