تعد إساءة معاملة كبار السن من المشكلات الاجتماعية والصحية الخفية التي يصعب رصدها لأنها تقع غالبًا داخل الأسرة ومؤسسات الرعاية، ولأن كثيرًا من ضحاياها يعجزون عن الإبلاغ بسبب الاعتمادية الجسدية أو التدهور المعرفي أو الخوف من فقدان الرعاية، وقد زادت جائحة كورونا من هشاشة هذه الفئة بعزلتها وتراجع الدعم الاجتماعي المحيط بها، فازدادت الحاجة إلى فهم عوامل الخطر المرتبطة بالإساءة في حقبة ما بعد الجائحة فهمًا دقيقًا يوجه جهود الكشف والوقاية
وتربط أدبيات سابقة بين التعرض للإساءة وبين أعراض الاكتئاب ودرجة الاعتماد على الآخرين في أنشطة الحياة اليومية، غير أن تحقق هذه العوامل ميدانيًا في عينات مجتمعية ما يزال بحاجة إلى أدلة محدثة، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى تقديمه في مجتمع الدراسة الإسباني لمن تجاوزوا الخامسة والستين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل إساءة معاملة الأشخاص فوق الخامسة والستين من العمر وعلاقتها ببعض عوامل الخطر المتمثلة في أعراض الاكتئاب والاعتمادية والنوع والسن في مجتمع الدراسة الإسباني، وقد طبقت مجموعة من الأدوات إلكترونيًا على عينة مكونة من 167 مشاركًا بلغ متوسطهم الحسابي في العمر 72.42 عامًا بانحراف معياري قدره 6.46، وشملت الأدوات مقياس يسافاج المختصر لتقويم الاكتئاب، ومؤشر كاتز لأنشطة الحياة اليومية الأساسية لتقويم الاعتمادية، واستبانة الجمعية الطبية الأمريكية وفرقة العمل الكندية لتقويم الاشتباه في الإساءة، ثم حللت البيانات لاستخراج معدلات انتشار الإساءة والاكتئاب والاعتمادية ومقارنتها عبر المجموعات المختلفة بحسب وجود هذه العوامل وغيابها
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: بلغت نسبة انتشار الاشتباه في الإساءة 40.72 في المئة من العينة، بينما بلغت نسبة الاكتئاب المؤكد 5.99 في المئة، ونسبة الاعتمادية الشديدة 1.20 في المئة فقط
النتيجة الثانية: كان انتشار الإساءة أعلى لدى الأشخاص ذوي الاعتمادية بنسبة 75 في المئة مقابل 37 في المئة لدى غير المعتمدين، كما بلغ لدى ذوي الاكتئاب المؤكد 70 في المئة مقابل 35.4 في المئة لدى غير المكتئبين
النتيجة الثالثة: سجلت النساء معدلات إساءة أعلى من الرجال، غير أن هذا الفرق لم يكن دالًا إحصائيًا، والأمر نفسه ينطبق على عامل السن، بينما تأكد كون الاكتئاب المؤكد والاعتمادية عاملَي خطر فعليين للتعرض للإساءة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج الانتباه إلى أن كبار السن المصابين بالاكتئاب أو المعتمدين على غيرهم في أنشطة الحياة اليومية هم الفئة الأحوج إلى الحماية والمتابعة، إذ تتضاعف تقريبًا احتمالات تعرضهم للإساءة قياسًا إلى أقرانهم الأصحاء المستقلين، ومن هنا ينبغي أن تتضمن برامج الرعاية الأولية وخدمات رعاية المسنين فحصًا دوريًا مزدوجًا عن الاكتئاب والاعتمادية بوصفهما مؤشرَي إنذار يسبقان فحص الإساءة ذاتها أو يوازيانه، كما ينبغي تدريب مقدمي الرعاية والأسر على رصد علامات الإساءة المبكرة، ودعم المعتمدين نفسيًا واجتماعيًا بما يقلل عزلتهم وضعفهم، وتفيد النتائج كذلك في تصميم تدخلات وقائية تستهدف مقدمي الرعاية المجهدين أنفسهم باعتبار إجهادهم مدخلًا محتملًا لسلوك الإساءة
وتتقاطع هذه الدراسة مع اهتمام عالمي متصاعد بحماية كبار السن بوصفها قضية حقوقية وصحية واجتماعية في آن واحد، إذ تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن الإساءة لكبار السن أوسع انتشارًا مما تظهره البلاغات الرسمية بكثير، وأن أغلب حالاتها لا تصل إلى علم الجهات المختصة، وقد عمقت العزلة التي فرضتها الجائحة هذا الخفاء حين انقطعت زيارات الأقارب وانكمشت شبكات الدعم الاجتماعي حول كبار السن فازداد اعتمادهم على مقدمي رعاية قد يكونون أنفسهم مصدر الإساءة، ويعزز هذا السياق قيمة الدراسات الميدانية التي تحدد عوامل الخطر القابلة للتدخل كالاكتئاب والاعتمادية، لأنها تحول الوقاية من خطاب عام إلى إجراءات فرز ومتابعة ودعم يمكن للخدمات الاجتماعية والصحية تبنيها وقياس أثرها
وخلاصة القول إن الدراسة كشفت انتشارًا مرتفعًا للاشتباه في إساءة معاملة كبار السن في حقبة ما بعد الجائحة، وأثبتت أن الاكتئاب المؤكد والاعتمادية عاملا خطر مؤكدان لهذه الإساءة، بما يدعو إلى دمج تقويم الصحة النفسية والاستقلالية الوظيفية في صميم أنظمة حماية كبار السن وكشف الإساءة مبكرًا والتدخل قبل تفاقمها
