0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

المدن الذكية والعمران الوجداني الرمزي: منظور مزدوج للسائح والمقيم

تفحص هذه الدراسة انخراط الأفراد في تقنيات المدن الذكية عبر دوريهم المزدوجين مقيمين وسياحًا، ضمن إطار جديد للمشاركة الوجدانية الرمزية وتحليل كمي لمئة وأربعة وتسعين مستجيبًا، وتخلص إلى أن الدور الظرفي وشمولية التصميم يشكلان الراحة العاطفية والانتماء الرمزي أكثر مما تشكلهما الخلفية الديموغرافية

تتسارع مدن العالم نحو تبني التقنيات الذكية في إدارة خدماتها وبناها التحتية، غير أن نجاح هذه التقنيات لا يتوقف على كفاءتها الفنية وحدها، بل على كيفية تفاعل الناس معها واستجاباتهم الوجدانية لها وشعورهم بالإدماج فيها، وتزداد هذه المسألة تعقيدًا لأن الفرد الواحد يتعامل مع تقنيات المدينة الذكية بدورين مختلفين، فهو مقيم يعيش في المدينة ويدير شؤونه اليومية عبر منصاتها، وهو سائح يزور مدنًا أخرى ويختبر تقنياتها زائرًا عابرًا

وتستكشف هذه الدراسة كيفية انخراط الأفراد في تقنيات المدن الذكية عبر هذين الدورين المزدوجين للمقيم والسائح، مستندة إلى إطار مفاهيمي جديد للمشاركة الوجدانية الرمزية، يتجاوز أنماط التبني وحدها إلى الاستجابات العاطفية للمستخدمين وإحساسهم بالإدماج، بما يضيف بعدًا إنسانيًا غالبًا ما يغيب عن أدبيات المدن الذكية ذات الطابع التقني الغالب

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

أجرت الدراسة تحليلًا كميًا لبيانات مئة وأربعة وتسعين مستجيبًا، فحصت فيه أنماط تبني تقنيات المدن الذكية وروتين استخدامها وتجارب سهولة الاستخدام والحساسية للإشارات الرمزية في التصميم، وقارنت بين أداء المستجيبين في دور المقيم ودور السائح، كما فحصت أثر متغيرات ديموغرافية مثل العمر والتعليم في المشاركة، وأثر الدور الظرفي وشمولية التصميم المدركة في الراحة العاطفية والانتماء الرمزي

ويعتمد الإطار الوجداني الرمزي على فكرة أن التقنية الحضرية تحمل معاني رمزية عن الانتماء والاعتراف بالوجود، وأن تفاعل المستخدم معها تجربة وجدانية بقدر ما هو عملية وظيفية، فينبغي قياسها بمؤشرات تتجاوز عدد مرات الاستخدام إلى عمق الشعور المصاحب له

ثانيًا: أبرز النتائج

ويمكن عرض أبرز ما كشفه التحليل الكمي فيما يأتي، وهي نتائج تتكامل في إبراز أن الدور الذي يؤديه المستخدم لا يقل أهمية عن خصائصه الشخصية في تشكيل تجربته الرقمية داخل المدينة

النتيجة الأولى: جاءت مستويات تبني تقنيات المدن الذكية متشابهة عبر الدورين، غير أن المقيمين والسياح اختلفوا في روتين الاستخدام وتجارب سهولة الاستخدام والحساسية للإشارات الرمزية التي تبثها الواجهات والخدمات

النتيجة الثانية: أبلغ السياح عن تحديات أكبر في واجهات الاستخدام واعتمدوا على مصادر خارجية مساعدة، بينما انخرط المقيمون بدرجة أكبر في المنصات المدنية الرسمية لمدينتهم وتعاملوا معها بوصفها قناتهم الأولى

النتيجة الثالثة: تنبأ العمر بعوائق سهولة الاستخدام التي يواجهها الأفراد، في حين لم يؤثر التعليم تأثيرًا دالًا في المشاركة في تقنيات المدن الذكية عبر الدورين المدروسين

النتيجة الرابعة: تشكلت الراحة العاطفية والانتماء الرمزي بدرجة أقل بفعل الخلفية الديموغرافية، وبدرجة أكبر بفعل الدور الظرفي للمستخدم وشمولية التصميم كما يدركها، فالتصميم الذي يشعر المستخدم بأنه مرئي ومحسوب حسابه يولد انتماء أعمق

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

توسع هذه النتائج نظرية المدن الذكية بإدماج أبعاد وجدانية ورمزية حساسة للدور في فهم الانخراط الرقمي الحضري، وتدعم سياسات تهدف إلى تقنيات حضرية شاملة متمحورة حول الإنسان، تراعي اختلاف حاجات المقيم الدائم عن حاجات السائح العابر عند تصميم الواجهات والخدمات، وتنتبه إلى كبار السن بوصفهم أكثر عرضة لعوائق الاستخدام، وتجعل من الراحة العاطفية والشعور بالانتماء معيارين أصيلين في تقييم نجاح مشاريع المدن الذكية لا ترفًا تصميميًا لاحقًا

كما تدعو النتائج مصممي المنصات المدنية إلى اختبار تصميماتهم مع مستخدمين يؤدون أدوارًا مختلفة، لا مع نموذج مستخدم واحد متجانس، فالمدينة الذكية الناجحة هي التي تتكلم لغات مستخدميها جميعًا مقيمين وزائرين

وتنبه الدراسة ضمنيًا إلى أن الحديث عن المدينة الذكية بوصفها مشروعًا تقنيًا خالصًا يغفل أن أهل المدينة وزوارها يعيشون التقنية بوصفها جزءًا من هويتهم الحضرية اليومية، فيقيمونها بمشاعرهم وانتمائهم بقدر ما يقيمونها بسرعتها ودقتها، وهو تحول في زاوية النظر قد يعيد تشكيل أولويات التخطيط الحضري الرقمي في السنوات المقبلة

وخلاصة القول إن التعامل مع تقنيات المدن الذكية تجربة تتشكل بالدور الذي يؤديه الفرد مقيمًا كان أو سائحًا، وإن بناء مدن ذكية ناجحة يقتضي تصميمًا شاملًا يحتضن هذا التعدد ويحتفي بالبعدين الوجداني والرمزي في علاقة الإنسان بمدينته

سلة طلب الرسائل (0)