تتزايد أهمية توفير فرص تعليمية متكافئة لجميع الطلاب من أجل تعليم جيد ومستدام في فصول دراسية يتنامى فيها التنوع بوتيرة سريعة، حتى باتت الفصول متعددة الثقافات واقعًا يوميًا يفرض على المعلم كفايات تتجاوز الإلمام المعرفي بالمقرر الدراسي، وفي هذا السياق تبرز مهارات التواصل والذكاء الاجتماعي والحساسية بين الثقافات بوصفها كفايات مهمة يمكن أن تؤثر في أداء المعلم وكفاءته داخل الفصل الدراسي، فالمعلم القادر على التواصل الفعال وفهم الفروق الثقافية بين طلابه وتوظيف ذكائه الاجتماعي في إدارة المواقف الصفية يكون أقدر على بناء بيئة تعلم دامجة وعادلة، ورغم أهمية هذه الكفايات فإن الدراسات التجريبية التي تفحص العلاقات فيما بينها ما تزال نادرة، وهو ما يجعل فهم ترابطها ضرورة لتطوير برامج إعداد المعلمين
ويتزامن هذا الاهتمام مع تحولات عميقة تشهدها المجتمعات المعاصرة بفعل الهجرة وانتقال الطلاب والمعلمين عبر الحدود وانتشار فصول اللغة المختلطة، فلم يعد التنوع الثقافي استثناء في المدارس بل قاعدة متنامية، ويفرض ذلك على مؤسسات إعداد المعلمين إعادة النظر في مخرجات التعلم المستهدفة لبرامجها، فإلى جانب الكفايات المعرفية والبيداغوجية تبرز الحاجة إلى كفايات وجدانية واجتماعية تمكّن المعلم من قراءة سياقه الصفي المتنوع قراءة واعية، والتعامل مع الفروق الثقافية بوصفها ثروة تعليمية لا عبئًا تنظيميًا، والتواصل مع الطلاب وأسرهم بلغة تحفظ الكرامة وتبني الثقة وتحقق التكافؤ المنشود
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقات بين مهارات التواصل لدى الطلاب المعلمين ومستويات حساسيتهم بين الثقافات وذكائهم الاجتماعي، من خلال تطبيق نمذجة المعادلات البنائية التي تتيح اختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات في نموذج واحد متكامل، واختير المشاركون من بين الطلاب المعلمين الدارسين في جامعة كوتاهيا دوملوبينار، وهي جامعة حكومية في تركيا، باستخدام أسلوب العينة العشوائية البسيطة بما يضمن تمثيل مجتمع الدراسة تمثيلًا منصفًا، ثم حُللت البيانات لبناء النموذج البنائي واختبار فروض الدراسة حول اتجاه العلاقات وقوتها ودلالتها الإحصائية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر الطلاب المعلمون مستويات مرتفعة في كل من مهارات التواصل والحساسية بين الثقافات والذكاء الاجتماعي، بما يشير إلى جاهزية واعدة لديهم للتعامل مع الفصول الدراسية المتنوعة ثقافيًا
2- وُجدت علاقة موجبة دالة إحصائيًا بين مهارات التواصل وكل من مستوى الحساسية بين الثقافات ومستوى الذكاء الاجتماعي، غير أنها جاءت عند مستوى منخفض من حيث القوة
3- ظهرت علاقة موجبة دالة إحصائيًا بين الحساسية بين الثقافات والذكاء الاجتماعي عند مستوى متوسط، بما يفوق قوة علاقة كل منهما بمهارات التواصل
4- تبين أن مهارات التواصل والحساسية بين الثقافات متنبئان دالان بالذكاء الاجتماعي، وأن الحساسية بين الثقافات أدت دورًا وسيطًا جزئيًا في العلاقة بين مهارات التواصل والذكاء الاجتماعي، أي إن المتغير الوسيط نقل جزءًا من الأثر دون أن يلغيه
5- خلصت الدراسة إلى أن مهارات التواصل لدى الطلاب المعلمين تنبأت بالذكاء الاجتماعي عبر الحساسية بين الثقافات، بما يجعل تنمية الحساسية الثقافية قناة مؤثرة لتعزيز الذكاء الاجتماعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية لبرامج إعداد المعلمين في كليات التربية، إذ تشير إلى أن الاستثمار في تنمية مهارات التواصل وحده قد لا يكفي، بل ينبغي أن يقترن بأنشطة وخبرات تعزز الحساسية بين الثقافات بوصفها حلقة وصل تنقل أثر التواصل إلى الذكاء الاجتماعي، كما تفيد النتائج القائمين على التعليم المستدام في تصميم خبرات تدريبية ومقررات تراعي التنوع الثقافي داخل الفصول، وتدعم بناء معلم قادر على تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بين جميع الطلاب
كما تفتح الدراسة بابًا لبحوث لاحقة تفحص هذه العلاقات لدى معلمين ممارسين وفي سياقات ثقافية أخرى، وتختبر برامج تدخلية مصممة لرفع الحساسية بين الثقافات وقياس أثرها التجريبي في الذكاء الاجتماعي والأداء الصفي، وتمتد بحدود الدراسة الحالية المستندة إلى مجتمع جامعة واحدة وأدوات تقرير ذاتي، بما يجعل تكرار النموذج على عينات أوسع خطوة طبيعية تالية لترسيخ النتائج وتعميمها بحذر علمي مسؤول
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت نموذجًا بنائيًا يوضح كيف تترابط مهارات التواصل والحساسية بين الثقافات والذكاء الاجتماعي لدى الطلاب المعلمين، وأثبتت أن الحساسية بين الثقافات وسيط جزئي في هذا الترابط، بما يوجه جهود إعداد المعلمين نحو تنمية الكفايات الثلاث معًا لا منفصلة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/16/21/9282
DOI: 10.3390/su16219282
