سعت النمذجة علميًا وتقنيًا عبر تاريخها إلى إخراج الإنسان من الحلقة، مدفوعة في الأصل بغاية الموضوعية، ثم بغاية الأتمتة في الآونة الأخيرة، غير أن لهذا التوجه أثرًا جانبيًا غير ضروري، إذ ضاقت مسارات عمل النمذجة وخطوط التعلم الآلي حتى لم تعد تصلح إلا للمشكلات محددة المواصفات تحديدًا كاملًا، بينما بقيت مشكلات واقعية كثيرة خارج متناولها لأنها لا تقبل التحديد الصوري المسبق بسهولة، ولأن جانبًا من معرفتها موزع في خبرة الممارسين لا في وثائق المواصفات
وتجادل هذه الورقة المنظورية بأن إعادة الإنسان إلى داخل النماذج من شأنها توسيع نطاق المشكلات القابلة للنمذجة، عبر عمليات نمذجة تكرارية يقدم فيها الذكاء الاصطناعي مساعدة تعاونية للمستخدم البشري، غير أن تحقيق هذه الرؤية يستلزم تقدمًا في كيفية تحديد نطاق مشكلات النمذجة، وفي نماذج المستخدم التي تصف من يتفاعل مع النظام وما يعرفه وما يريده وكيف يتطور فهمه أثناء العمل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الورقة إلى توصيف نماذج المستخدم المطلوبة لتحقيق رؤية النمذجة التفاعلية، وبيان التحديات التي تعترض بناء هذه النماذج وتشغيلها وتحديثها، بما يمهد لظهور مسارات عمل نمذجة تفاعلية جديدة وخطوط تعلم آلي متمحورة حول الإنسان ومتوافقة معه، وذلك في إطار مقالة منظور تعرض رؤية تحليلية وتحدد أجندة بحثية للمستقبل أكثر منها دراسة تجريبية ذات نتائج قياسية
وتستند الورقة في حجاجها إلى قراءة نقدية لتاريخ النمذجة الحديث، فحين كانت الموضوعية هي الهم الأول جرى تنحية الإنسان بوصفه مصدر تحيز، وحين صارت الأتمتة هي الهم الغالب جرى تنحيته بوصفه عنق زجاجة بطيئًا، وفي الحالتين جرى التضحية بقدرة الخبير على التعامل مع المشكلات الغامضة متغيرة الحدود، مع أن هذه المشكلات هي الأكثر حضورًا في الممارسة الواقعية للعلوم والهندسة والإدارة
ثانيًا: أبرز النتائج
عرضت الورقة رؤيتها في قضايا متكاملة تستند إلى تحليل نقدي لممارسات النمذجة الراهنة، يمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
النتيجة الأولى: أدى إخراج الإنسان من حلقة النمذجة إلى قصر مسارات العمل وخطوط التعلم الآلي على المشكلات حسنة التحديد، وهو قيد يحد من نفع النمذجة في المواقف الواقعية المعقدة متداخلة العوامل
النتيجة الثانية: تتيح إعادة الإنسان إلى داخل النماذج معالجة طائفة أوسع من المشكلات، عبر عمليات تكرارية يتبادل فيها المستخدم والنظام الأدوار، ويقدم فيها الذكاء الاصطناعي عونًا تعاونيًا يتكيف مع تطور فهم المستخدم للمشكلة
النتيجة الثالثة: يتطلب تحقيق هذه الرؤية تقدمًا مزدوجًا، في أساليب تحديد نطاق مشكلات النمذجة ورسم حدودها من جهة، وفي بناء نماذج مستخدم دقيقة تصف قدرات المستخدم وأهدافه وسياقه من جهة أخرى
النتيجة الرابعة: تقود هذه التطورات متى تحققت إلى مسارات نمذجة تفاعلية جديدة وخطوط تعلم آلي متمحورة حول الإنسان ومتوافقة معه، تتسع لمهام لم تكن النمذجة الأتمتية الصرفة قادرة على تناولها بجودة مقبولة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتقاطع هذه الرؤية مع توجهات أوسع في تصميم نظم الذكاء الاصطناعي التفاعلي، فهي تدعو مطوري أدوات النمذجة إلى التعامل مع المستخدم شريكًا في بناء النموذج لا مصدر تشويش ينبغي عزله، وتصميم واجهات وآليات تغذية راجعة تجعل حكم الخبير جزءًا من دورة النمذجة، كما تدعو الباحثين إلى الاستثمار في نماذج مستخدم قابلة للتعلم والتحديث مع تراكم التفاعل، بما يوازن بين مكاسب الأتمتة وقيمة الخبرة البشرية، ويوسع حدود ما يمكن نمذجته بجودة ومسؤولية
وعلى المستوى البحثي، تحدد الورقة ضمنيًا أجندة عمل تشمل تطوير تمثيلات لنماذج المستخدم قابلة للمشاركة بين الأدوات، وبناء مقاييس لتقييم جودة الشراكة بين الإنسان والنظام، ودراسة كيفية تغير نموذج المستخدم مع تعلم النظام منه وتعلمه من النظام في آن واحد، وهي أسئلة مفتوحة تجعل المقالة خريطة طريق أكثر منها إجابة ختامية
وخلاصة القول إن النمذجة لا تستغني عن الإنسان بل تحتاج إلى نمذجته هو ذاته، فمتى عرف النظام مستخدمه وقدراته وأهدافه أمكن بناء شراكة مثمرة بين الخبير البشري والذكاء الاصطناعي تتجاوز حدود المشكلات حسنة التحديد وحدها
