أُطلقت مبادرة الحزام والطريق الصينية عام 2013 لتكون في الأصل شبكة تربط شرق آسيا بأوروبا عبر البنية التحتية المادية والرقمية، وما لبثت أن تحولت إلى أحد أبرز ملامح الحضور الاقتصادي الصيني في القارة الأوروبية، مثيرة نقاشات واسعة حول فرص التنمية التي تحملها والمخاوف الأمنية والسياسية التي ترافقها، وفي ظل تباين مواقف الدول الأوروبية بين مرحب يرى فيها محركًا للنمو وحذر يخشى على أمنه الرقمي وبياناته، تبرز الحاجة إلى رسم خريطة شاملة لمشروعات المبادرة في أوروبا من حيث مواقعها وأنواعها وحالاتها والشركات الرئيسة المنفذة لها، وهو ما قدمته هذه المقالة عبر تحليل مقارن واسع النطاق يغطي عقدًا ونصف من التطورات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجرت الدراسة تحليلًا مقارنًا شمل 727 مشروعًا من مشروعات مبادرة الحزام والطريق والمشروعات الشبيهة بها في 46 دولة أوروبية خلال الفترة الممتدة من عام 2005 إلى عام 2021، وتناول التحليل موقع كل مشروع ونوعه وحالته التنفيذية وأبرز الشركات المشاركة فيه، بما أتاح مقارنة التوزيع الجغرافي والقطاعي للاستثمارات الصينية عبر أقاليم أوروبا المختلفة، ورصد الأنماط الكبرى التي تحكم انتشارها واختلاف استقبال الدول لها بين الترحيب التنموي والتحفظ الأمني والسياسي
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج قيام أوروبا ذات سرعتين، إذ تتركز مشروعات طريق الحرير الرقمي مثل الاتصالات ونقل التقنية ومراكز البيانات وشبكات الجيل الخامس والتقنية المالية في شمال غرب أوروبا
2- تتركز الاستثمارات التقليدية في البنية التحتية كالموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الاقتصادية الخاصة في جنوب شرق أوروبا ودول البلقان
3- تبدي دول شمال غرب أوروبا قلقًا خاصًا بشأن الأمن السيبراني وحماية البيانات المرتبطة بهذه المشروعات الرقمية الحساسة
4- تنظر دول عديدة في جنوب شرق أوروبا نظرة إيجابية إلى فرص التنمية التي توفرها المبادرة لاقتصاداتها وبنيتها التحتية المتقادمة
5- تختلف مقاربة المبادرة عن المقاربة الغربية للتنمية القائمة على المنافسة والليبرالية الاقتصادية وعن التكامل القائم على المعاهدات، إذ تعتمد منصة خاصة ومرونة سياسية وبراغماتية اقتصادية وقدرة عالية على تعبئة الموارد وخلق التآزر بين الدولة وقطاع الأعمال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تمثل المبادرة بما تنطوي عليه من نقاط قوة وضعف فرصة للاتحاد الأوروبي لإدراك حاجته إلى بصيرة اقتصادية وسياسية أبعد مدى وتماسك اجتماعي أرسخ ومرونة اقتصادية أكبر لتلبية احتياجات التنمية في دوله الأعضاء، لا سيما أقاليمه الجنوبية الشرقية الأقل نموًا، وفي المقابل تستطيع الصين أن تستفيد من التعاون مع دول الاتحاد في تحسين استقبال مبادراتها الاستثمارية بالتركيز على المعاملة بالمثل وضمانات الأمن وحماية الحقوق والبيئة، بما يجعل الخريطة المرسومة في هذه الدراسة أداة لفهم أعمق لديناميات العلاقة الاقتصادية بين الصين وأوروبا وموازين القوى المتنامية داخل القارة الواحدة
وتأتي هذه الدراسة في سياق تحول جيوسياسي أوسع تتنافس فيه القوى الكبرى على رسم خرائط التجارة والطاقة والبيانات في القرن الحادي والعشرين، وتسعى فيه أوروبا إلى صياغة استجابة موحدة تحمي مصالحها دون أن تفقد فرص النمو التي تتيحها الشراكات الخارجية، ويمثل اختلاف إيقاع أقاليمها الداخلية تحديًا بنيويًا لهذه الاستجابة الموحدة، إذ يصعب صياغة موقف واحد من الاستثمار الصيني حين تتفاوت الاحتياجات بين موانئ جنوبية تبحث عن تمويل وبنى رقمية شمالية تخشى الاختراق، كما تكتسب الخرائط البحثية الموثقة بالأرقام والتوزيعات الجغرافية أهمية خاصة في مثل هذه النقاشات المشحونة سياسيًا، لأنها تنقل الحوار من الانطباعات والمواقف المسبقة إلى أنماط قابلة للرصد والمقارنة عبر الزمن، وتتيح لصناع القرار رؤية أين يتركز الحضور فعليًا وأين يظل محدودًا رغم ضجيج الخطاب العام
وخلاصة القول إن حضور مبادرة الحزام والطريق في أوروبا ليس حضورًا متجانسًا بل يتوزع بين شمال غرب رقمي التوجه وحذر أمنيًا وجنوب شرق متعطش للبنية التحتية والتنمية، وقد قدمت الدراسة خريطة موثقة لهذا الحضور عبر 727 مشروعًا في 46 دولة، وخلصت إلى أن مستقبل المبادرة في القارة يتوقف على قدرة الطرفين الصيني والأوروبي على معالجة الهواجس الأمنية ومتطلبات المعاملة بالمثل وحماية الحقوق والبيئة معًا
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/10/301
DOI: 10.3390/economies13100301
