0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

السرديات البصرية والتفاعل الرقمي: فك شيفرة الهوية السياحية لسيول وطوكيو عبر تحليلات إنستغرام

تقارن هذه الدراسة بين محتوى إنستغرام وأنماط التفاعل في سيول وطوكيو عبر تحليل 59944 منشورًا موسومًا جغرافيًا بأدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل المكاني وتحليل المشاعر، فتظهر سرديتين بصريتين متميزتين، إذ تتفوق طوكيو في الإعجاب بمحتوى الطعام والحيوانات، وتتميز سيول بتعليقات أكثر وأقوى وجدانًا، مع محركات تفاعل مختلفة بين المدينتين

أعادت منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها إنستغرام، تشكيل الصورة الذهنية للوجهات السياحية والتأثير في سلوك السياح وقراراتهم، إذ أصبحت الصور والمقاطع التي ينشرها الزوار أنفسهم مصدرًا مؤثرًا في تكوين انطباعات الجمهور عن المدن والمقاصد السياحية، ومن هنا تنبع أهمية فهم كيفية تمثيل المدن المختلفة وإدراكها على هذه المنصات بوصفه مدخلًا ضروريًا لتسويق سياحي فعال، وفي هذا الإطار تقدم الدراسة تحليلًا مقارنًا لمحتوى إنستغرام وأنماط التفاعل معه في مدينتين آسيويتين كبيرتين هما سيول وطوكيو، بهدف استخلاص رؤى تسويقية قابلة للتطبيق لدى مديري الوجهات والمسوقين السياحيين

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

جمع الباحثان وحللا 59944 منشورًا عامًا على إنستغرام موسومًا جغرافيًا داخل سيول بعدد 29985 منشورًا وداخل طوكيو بعدد 29959 منشورًا، واعتمدا منهجًا مختلطًا جمع أدوات كمية ونوعية متعددة، إذ صنفا المحتوى باستخدام نموذج شبكة عصبية التفافية مضبوط بدقة، وحللا مقاييس التفاعل المتمثلة في الإعجابات والتعليقات، وطبقا تحليل المشاعر بأداة فيدر المعجمية المتخصصة، وحللا تعليقات الجمهور تصنيفيًا بحسب موضوعاتها، وأجريا تحليلًا جغرافيًا مكانيًا بتقنية تقدير كثافة النواة ومعامل موران للارتباط المكاني، وبنيا نماذج تنبؤية بأسلوب التعزيز التدريجي مع تحليل قيم شابلي التفسيرية، كما أجريا تحليل تحقق بعينات متوازنة قوامها 2000 منشور لكل مدينة لمعالجة انخفاض نسبة البيانات الموسومة جغرافيًا في طوكيو

ثانيًا: أبرز النتائج

أظهرت النتائج أن فئة الأشخاص كانت فئة المحتوى الغالبة في المدينتين معًا، غير أن فروقًا لافتة برزت بينهما، فقد سجلت طوكيو تفاعلًا أعلى قائمًا على الإعجاب عبر فئات المحتوى، ولا سيما في محتوى الحيوانات والطعام، بينما ولّدت سيول تعليقات أكثر بقليل وكانت تعليقاتها أقوى مشاعر في الغالب، وكشف التحليل النوعي للتعليقات أن تعليقات سيول ركزت بدرجة أكبر على ردود الفعل الوجدانية، في حين كانت تعليقات طوكيو أقصر وأقرب إلى عبارات التقدير الموجزة، وحدد التحليل الجغرافي المكاني بؤرًا ساخنة متميزة في كل مدينة، وأكد تحليل التحقق هذه الأنماط المكانية رغم قيود بيانات طوكيو، وأبرزت النمذجة التنبؤية أن عدد الوسوم هو المحرك الرئيس للتفاعل في سيول، بينما كان حضور الأشخاص في المحتوى هو العامل الأبرز في طوكيو

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تخلص الدراسة إلى أن سيول وطوكيو تعرضان سرديتين بصريتين متميزتين وتستثيران أنماط تفاعل مختلفة، وهو ما يحمل مضامين عملية مباشرة لمسوقي الوجهات، إذ يقترح بناء استراتيجيات محتوى مصممة خصيصًا لكل مدينة وحملات قائمة على المواقع تستهدف البؤر الساخنة المحددة والموضوعات التي يفضلها جمهور كل مدينة، فما ينجح في سيول من محتوى غني بالوسوم ومشحون وجدانيًا قد لا يناسب طوكيو التي يتفاعل جمهورها مع صور الأشخاص والطعام والحيوانات بعبارات تقدير موجزة، وتؤكد الدراسة أخيرًا قيمة التكامل بين التحليلات الكمية والنوعية لبيانات التواصل الاجتماعي في استخلاص رؤى دقيقة وعميقة تُفيد تسويق الوجهات السياحية المعاصرة

ويندرج هذا التحليل ضمن حقل بحثي متنامٍ يوظف بيانات التواصل الاجتماعي الضخمة في فهم الظاهرة السياحية، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى أرشيف يومي هائل يوثق تجارب الزوار وانطباعاتهم وسلوكياتهم المكانية بصورة عفوية لا تتوفر للدراسات المسحية التقليدية، وتتيح أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، من الشبكات العصبية الالتفافية إلى نماذج تحليل المشاعر والتعزيز التدريجي، استخراج أنماط دقيقة من هذا الأرشيف على نطاق واسع كان يتعذر بلوغه يدويًا، غير أن توظيف هذه البيانات يثير في المقابل اعتبارات منهجية تتعلق بتمثيلية العينات وتحيزات الوسم الجغرافي وخصوصية المستخدمين، وهي اعتبارات تعاملت الدراسة مع بعضها عبر تحليل التحقق بالعينات المتوازنة، كما أن المقارنة بين مدينتين متقاربتين في المكانة ومختلفتين في الثقافة الرقمية تبرز أن التفاعل السياحي على المنصات ليس ظاهرة موحدة بل يتشكل بالسياقات المحلية وأنماط التعبير السائدة وعادات الاستخدام، ومن ثم فإن تعميم استراتيجية رقمية واحدة على وجهات متعددة قد يكون مضللًا ما لم يُبنَ على قراءة موثقة لكل وجهة على حدة

وخلاصة القول إن الصورة الرقمية للمدينة ليست انعكاسًا محايدًا لها، بل سردية بصرية يصنعها الزوار والمقيمون معًا، وإن قراءة هذه السردية بمنهجية علمية رصينة كما فعلت الدراسة تمنح مديري الوجهات بوصلة أدق لصياغة رسائلهم التسويقية وبناء حضور رقمي مؤثر

سلة طلب الرسائل (0)