يعد الالتزام بالخطط العلاجية الموصى بها عنصرًا أساسيًا في نجاح العلاج وتحقيق أهدافه، غير أن الالتزام بالنظام العلاجي في الغسيل الكلوي الدموي يظل تحديًا قائمًا في كثير من بيئات الرعاية الصحية، إذ يتطلب من المريض انتظامًا طويل الأمد في جلسات متكررة وتناول أدوية محددة وقيودًا غذائية وضبطًا لكمية السوائل، وتتعدد العوامل المؤثرة في هذا الالتزام، ومن أبرزها مستوى الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه المريض من أسرته ومحيطه، ومع ذلك لم تحظ العلاقة بين الدعم الاجتماعي والالتزام العلاجي لدى مرضى الغسيل الكلوي بدراسات كافية تستكشف أبعادها
ويحظى موضوع الالتزام العلاجي لدى مرضى الغسيل الكلوي باهتمام متزايد في أدبيات التمريض والصحة العامة، لأن تراجع الالتزام يرتبط بمضاعفات خطيرة وارتفاع في معدلات دخول المستشفى وتدهور في جودة الحياة، وتتداخل في تشكيل هذا الالتزام عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وعلاجية يصعب عزل بعضها عن بعض، ومن بين هذه العوامل يحتل الدعم الاجتماعي موقعًا مميزًا لقابليته للتدخل والتفعيل، فهو مورد يمكن للمؤسسات الصحية والأسر تنميته بصورة مقصودة، خلافًا لعوامل أخرى ثابتة يصعب تغييرها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تقويم العلاقة بين الدعم الاجتماعي المدرك والالتزام بالأنظمة العلاجية لدى مرضى الغسيل الكلوي الدموي، واعتمدت التصميم الارتباطي المقطعي، واستخدمت استبانات ذاتية التقرير لجمع البيانات من مئة وواحد وعشرين مريضًا جرى استقطابهم من مركزين لغسيل الكلى، وقيس مستوى الالتزام الكلي للمرضى بأنظمتهم العلاجية بشقيها الدوائي والغذائي والسلوكي، كما قيس الدعم الاجتماعي المدرك بحسب مصادره الرئيسة وهي الأسرة والأشخاص ذوو الأهمية الخاصة في حياة المريض والأصدقاء، وحللت العلاقات بين الدعم الاجتماعي والالتزام بأساليب إحصائية ارتباطية مناسبة لطبيعة التصميم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تباينًا واضحًا في مستويات الالتزام بين المرضى، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية: أولًا، أبدى 45.5 في المئة من المشاركين التزامًا جيدًا، فيما كان التزام 47.9 في المئة متوسطًا، ولم يتجاوز ذوو الالتزام الضعيف 6.6 في المئة، وثانيًا، كان الالتزام بتناول الأدوية الموصوفة الأعلى باستمرار لدى 76 في المئة من المشاركين، يليه الانتظام في حضور جلسات الغسيل الكلوي لدى 75 في المئة، ثم الالتزام بالقيود الغذائية لدى 67.8 في المئة، ثم اتباع إرشادات تناول السوائل لدى 62 في المئة، وثالثًا، جاء الدعم الاجتماعي المدرك في أعلى مستوياته من أفراد الأسرة لدى 89.3 في المئة، يليهم الأشخاص ذوو الأهمية لدى 62.8 في المئة، ثم الأصدقاء لدى 49.6 في المئة، ورابعًا، وجدت ارتباطات دالة إحصائيًا بين الدعم الاجتماعي المدرك والالتزام الكلي بالعلاجات لدى مرضى الغسيل الكلوي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج أدلة على علاقات إيجابية بين الدعم الاجتماعي المدرك والالتزام بالأنظمة العلاجية لدى مرضى الغسيل الكلوي الدموي، ما يحمل دلالات عملية لمقدمي الرعاية الصحية، إذ يوصى بأن يتدخل مقدمو الرعاية المهنية لدى المرضى وأسرهم لتفعيل شبكات الدعم المحيطة بالمريض، وأن تعد برامج ترفيهية وتثقيفية موجهة لمرضى الغسيل الكلوي تعينهم على الاستمرار في علاجهم الطويل، كما تشجع النتائج الباحثين على اقتراح نماذج ومقاربات مختلفة للدعم الاجتماعي واختبار فاعليتها في تحسين الالتزام العلاجي وجودة حياة هؤلاء المرضى
وتدعو هذه النتائج إلى بحوث لاحقة تستخدم تصميمات طولية وتدخلية تختبر أثر برامج الدعم الاجتماعي المنظمة في الالتزام العلاجي على المدى البعيد، وتفحص الفروق بين مصادر الدعم وأشكاله الانفعالية والعملية والمعلوماتية، كما تدعو إلى تطوير أدوات قياس عربية مقننة للدعم الاجتماعي والالتزام لدى مرضى الأمراض المزمنة عمومًا ومرضى الغسيل الكلوي خصوصًا، بما يرتقي بجودة الأدلة المتاحة ويمكّن من مقارنات أدق بين البيئات الصحية المختلفة
وخلاصة القول إن الدعم الاجتماعي، ولاسيما الأسري منه، رافد جوهري لالتزام مرضى الغسيل الكلوي الدموي بأنظمتهم العلاجية، وإن الاستثمار في تعزيز هذا الدعم ضمن خطط الرعاية الشاملة قد ينعكس إيجابًا على مخرجات العلاج واستقرار حالة المرضى الصحية والنفسية على المدى الطويل








