أكدت دراسات سابقة عمومًا أن ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة تؤثر تأثيرًا إيجابيًا في القيمة المدركة وفي أداء الاستدامة لدى المنظمات، غير أن البحوث التجريبية التي تفحص الدور الوسيط للقيمة المدركة لدى العاملين في العلاقة بين هذه الممارسات وأداء الاستدامة، من منظور أصحاب المصلحة الداخليين، ما تزال محدودة، وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة في قطاع الفنادق الخضراء، حيث يقف العاملون في واجهة التفاعل اليومي مع النزلاء، وحيث تتجسد مبادئ الاستدامة في سلوكيات عمل ملموسة لا في وثائق وسياسات فحسب، فإدراك العاملين لقيمة ما تمارسه منظمتهم بيئيًا واجتماعيًا وحوكميًا قد يكون الحلقة التي تتحول بها هذه الممارسات إلى أداء مستدام فعلي، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى اختباره في فنادق جنوب تايوان الخضراء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم العلاقة بين ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة والقيمة المدركة لدى العاملين والإدارة المستدامة في الفنادق الخضراء في جنوب تايوان، واعتمدت الدراسة المنهج الكمي، فجمعت البيانات بواسطة الاستبانة بأسلوب العينة الميسرة من العاملين في تلك الفنادق، وبلغ عدد الاستبانات الصالحة للتحليل 277 استبانة، وحللت البيانات بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية لاختبار نموذج يضم ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة متغيرًا مستقلًا، والقيمة المدركة لدى العاملين متغيرًا وسيطًا، وأداء الاستدامة متغيرًا تابعًا، بما يسمح بتقدير الآثار المباشرة للمتغير المستقل في المتغير التابع والأثر غير المباشر المار عبر الوسيط في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج ما يأتي: 1- تؤثر ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة تأثيرًا إيجابيًا دالًا إحصائيًا في القيمة المدركة لدى العاملين، فكلما تعمقت هذه الممارسات واتضحت للعاملين ارتفع إدراكهم لقيمة منظمتهم ولمعنى عملهم فيها، 2- تؤثر هذه الممارسات تأثيرًا إيجابيًا دالًا في أداء الاستدامة ذاته، بما يؤكد أن الالتزام البيئي والاجتماعي والحوكمي ينعكس مباشرة على نتائج الإدارة المستدامة في الفنادق الخضراء، 3- تتوسط القيمة المدركة لدى العاملين العلاقة بين ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة وأداء الاستدامة توسطًا جزئيًا، إذ يمر جانب من الأثر عبر ما يدركه العاملون من قيمة، بينما يستمر أثر مباشر آخر، 4- تبرز بذلك مكانة العاملين ودورهم الحاسم في تعزيز الإدارة المستدامة، فهم ليسوا منفذين للممارسات فحسب بل قناة فاعلة تتحول بها إلى أداء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
بناء على هذه النتائج توصي الدراسة الشركات بتعزيز الاتصال والتعليم الداخليين بشأن البيئة والمجتمع والحوكمة بما يضمن فهم العاملين لأهدافها ونتائجها ودمجها في أعمالهم اليومية، وبتصميم برامج مشاركة تتمحور حول العاملين، مثل مسابقات الابتكار الأخضر وأنشطة خفض الكربون المجتمعية، لتعزيز القيمة الوجدانية والانتماء التنظيمي لديهم، كما توصي بأن تُدمج مبادئ البيئة والمجتمع والحوكمة في الثقافة المؤسسية وعمليات الإدارة، مع تعزيز السلوكيات المستدامة عبر تقييم الأداء ونمذجة القيادة والحوار المستمر، وأن تُمنح هذه الممارسات مكانة إستراتيجية جوهرية منسجمة مع الأهداف طويلة الأجل للشركة، بما يرفع التزام العاملين ويبني مزايا تنافسية تجذب دعم العملاء وأصحاب المصلحة
وتكتسب الدراسة أهميتها أيضًا من موقع قطاع الضيافة في قلب جدل الاستدامة المعاصر، فالفنادق منشآت كثيفة استهلاك الطاقة والمياه ومولدة للنفايات، وشهادات الفنادق الخضراء لا تعني شيئًا ما لم تتحول معاييرها إلى سلوك يومي لدى العاملين في الاستقبال والمطابخ والتدبير المنزلي والصيانة، ومن هنا يصبح المنظور الداخلي مكملًا ضروريًا لدراسات ركزت طويلًا على العملاء والمستثمرين، فالعاملون هم أول جمهور تصله رسائل الاستدامة وآخر من ينفذها، وإدراكهم لقيمتها هو ما يفصل بين امتثال شكلي تفرضه الرقابة وتبنٍّ ثقافي يمارس طوعًا، كما يقدم النموذج الوسيط الذي اختبرته الدراسة إطارًا قابلًا للنقل إلى قطاعات خدمية أخرى تتقاطع فيها ممارسات الاستدامة مع خبرة العميل عبر واجهة العنصر البشري
وخلاصة القول إن العلاقة بين ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة وأداء الاستدامة لا تعمل بمعزل عن الإنسان داخل المنظمة، فالقيمة التي يدركها العاملون هي حلقة وصل جوهرية في هذه العلاقة، والاستثمار في وعي العاملين ومشاركتهم شرط لترجمة الالتزام المؤسسي إلى استدامة حقيقية
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2673-5768/6/3/153
DOI: 10.3390/tourhosp6030153
