فرضت جائحة كوفيد-19 وما رافقها من قيود على الحركة والخدمات اضطرابًا واسعًا في حياة الأفراد ذوي إصابة الحبل الشوكي، وهم فئة تعتمد في أدائها اليومي ومشاركتها المجتمعية على شبكات دعم وخدمات تأهيل منتظمة، فأصبح رصد آثار الجائحة المستمرة في صحتهم وأدائهم الوظيفي ضرورة لفهم احتياجاتهم في الأزمات الصحية الكبرى
ويقدم نموذج التصنيف الدولي للأداء الوظيفي والإعاقة والصحة إطارًا موجهًا لاختيار مقاييس النواتج، إذ يتيح استكشاف بنى متعددة للصحة والأداء قد تتأثر بالتنظيمات والقيود، من الصحة النفسية والمرونة النفسية إلى الدعم الاجتماعي واستخدام التقنية وفضاء الحياة والمشاركة المجتمعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف إلى الأثر المستمر لجائحة كوفيد-19 في الأداء الوظيفي والصحة لدى الأفراد ذوي إصابة الحبل الشوكي، عبر تتبع طولي لتغيرات مقاييس معيارية خلال الأشهر الأولى من الجائحة في كندا، مسترشدة بنموذج التصنيف الدولي للأداء الوظيفي في اختيار بنى القياس وأبعاده
واعتمدت الدراسة تصميمًا مسحيًا طوليًا بأتراب واحد عبر الإنترنت، قدم فيه المشاركون خصائصهم الديموغرافية والسريرية عند خط الأساس، وأكملوا مقاييس معيارية إلكترونية في ثلاث نقاط زمنية تفصل بينها نحو شهر واحد في يونيو ويوليو وأغسطس من عام 2020، شملت الصحة النفسية والمرونة النفسية والملل والدعم الاجتماعي واستخدام التقنية وفضاء الحياة والمشاركة، واستخدم تحليل التباين للقياسات المتكررة لتحديد التغيرات الطولية في كل مقياس
ثانيًا: أبرز النتائج
1- جمعت البيانات من 21 مشاركًا من ذوي إصابة الحبل الشوكي بلغ متوسط أعمارهم 54 سنة، كان 12 منهم من الذكور، فشكلوا عينة صغيرة الحجم ملائمة للرصد الاستكشافي المبكر لآثار الجائحة في هذه الفئة
2- سجلت المشاركة حجم أثر كبير بلغ 0.20، وقد ازدادت عبر الزمن خلال نقاط القياس الثلاث، في إشارة إلى توسع انخراط المشاركين في أنشطة الحياة رغم استمرار ظروف الجائحة وقيودها العامة
3- أظهر القلق حجم أثر متوسط بلغ 0.12 وتناقص عبر الزمن، كما أظهر استخدام الشبكات الاجتماعية حجم أثر متوسط مماثل، إذ تذبذب قليلًا مع زيادة من النقطة الزمنية الأولى إلى الثانية، موحيًا بتكيف تدريجي مع قنوات التواصل الرقمية
4- دلت النتائج مجملًا على بقاء الأفراد ذوي إصابة الحبل الشوكي مستقرين نسبيًا خلال الجائحة، مع تحسنات في جوانب أساسية مختارة أبرزها ازدياد المشاركة وتناقص القلق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتؤكد هذه النتائج أهمية الاستمرار في رعاية السبل التي تتيح للأفراد ذوي إصابة الحبل الشوكي البقاء على تواصل وانخراط واطلاع أثناء الأزمات، بما في ذلك خدمات التأهيل عن بعد والدعم الاجتماعي المنظم وأدوات التقنية المساعدة، إذ يرتبط التواصل المستمر بتحسن المشاركة وانحسار القلق
كما تنبه الدراسة، بحجم عينتها المحدود وطبيعتها الاستكشافية، إلى ضرورة بحوث طولية أوسع تتبع الفئات الأكثر هشاشة داخل مجتمع إصابات الحبل الشوكي، وتقيس جاهزية أنظمة الرعاية لاستمرارية الخدمات عند تعطل القنوات الحضورية في الطوارئ الصحية الممتدة
وتكتسب هذه الدراسة قيمتها من توقيتها المبكر، إذ التقطت تجربة فئة هشة أثناء تشكل أزمة عالمية غير مسبوقة، وقدمت بيانات خط أساس يمكن أن تقارن بها مراحل لاحقة من الجائحة وما بعدها، فمعظم الأدبيات المبكرة ركزت على المرضى المنومين والعاملين الصحيين دون الالتفات الكافي إلى ذوي الإعاقات المستقرة المقيمين في المجتمع
كما تسلط النتائج الضوء على دور التقنية بوصفها بنية تعويضية عند تعطل القنوات الحضورية، فحين أغلقت مراكز التأهيل أبوابها وتراجعت الزيارات المنزلية، تحولت المنصات الرقمية وشبكات التواصل إلى قنوات رئيسة للمعلومة والدعم والترفيه، وهو تحول قد يعيد تشكيل توقعات هذه الفئة من خدمات الرعاية حتى بعد انقضاء الأزمات الصحية الكبرى مستقبلًا
وخلاصة القول إن الأشهر الأولى من الجائحة لم تحمل تدهورًا شاملًا في صحة الأفراد ذوي إصابة الحبل الشوكي وأدائهم، بل أظهرت استقرارًا نسبيًا تخللته مكاسب في المشاركة والقلق، مما يوجه مقدمي الرعاية وصناع القرار إلى الاستثمار في التواصل والانخراط الرقمي والدعم المستمر لهذه الفئة في الأزمات المقبلة
