تمثل القضايا السياسية المستقطبة مصدر قلق متناميًا حول العالم، إذ تخلق انقسامات على أسس أيديولوجية حادة بين مكونات المجتمع الواحد، وقد تأكد هذا الأمر خلال انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة لعام 2022، حيث احتدمت المنافسة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على مقاعد مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومناصب حكام الولايات
وتتيح منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها منصة إكس المعروفة سابقًا باسم تويتر، نافذة واسعة لرصد هذه الموضوعات المستقطبة كما تتجلى في خطاب السياسيين أنفسهم خلال الحملات الانتخابية، وفي هذا السياق هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين نتائج انتخابات التجديد النصفي لعام 2022 والموضوعات التي طُرحت خلال الحملة الانتخابية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنى الباحثون مجموعة بيانات ضمت 52688 تغريدة جُمعت من حسابات أعضاء مجلس الشيوخ والنواب وحكام الولايات المشاركين في الانتخابات خلال الشهر السابق لبدء الانتخابات، واستخدموا تقنيات التعلم الآلي غير الموجه في بناء نمذجة للموضوعات على البيانات المجمعة وتصويرها مرئيًا لتمثيل الموضوعات الرئيسة المتداولة
كما استخدموا التعلم الآلي الموجه في تصنيف التغريدات بحسب الحزب السياسي الذي تنتمي إليه، وأجروا تحليلًا للمشاعر بهدف الكشف عن الاستقطاب والذاتية في محتوى التغريدات، ومقارنة ذلك كله بنتائج الانتخابات الفعلية في الولايات والأحزاب المعنية
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: تبين أن التغريدات الصادرة عن السياسيين المشاركين والولايات الأمريكية والأحزاب المعنية ترتبط ارتباطًا واضحًا بالموضوعات المستقطبة التي قسمت الناخبين على أسس أيديولوجية
النتيجة الثانية: أظهرت الدراسة أن الموضوعات المستقطبة تخللت حملة المنصة الانتخابية برمتها، بحيث لم تكن هامشًا جانبيًا في الخطاب بل مكونًا حاضرًا في صلب الرسائل الانتخابية المتنافسة
النتيجة الثالثة: صُنفت جميع الانتخابات المدروسة بأنها عالية الذاتية، وهو ما يعكس غلبة الأحكام القيمية والانطباعات الشخصية في محتوى التغريدات الانتخابية على الوقائع المحايدة
النتيجة الرابعة: أظهر تحليل التصنيف في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب معدلات خطأ في التصنيف بلغت 21.37 في المئة و24.15 في المئة على الترتيب، وهو ما يشير إلى أن تغريدات الجمهوريين كثيرًا ما انسجمت مع السرديات التقليدية للديمقراطيين، فصعب على النماذج نسبتها إلى حزبها الصحيح
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد دلالات الدراسة أن تحليل خطاب منصات التواصل الاجتماعي بأدوات التعلم الآلي يمنح الباحثين وصناع القرار وسيلة كمية لرصد خريطة الاستقطاب السياسي وتطورها زمنيًا، بدل الاكتفاء بالانطباعات العامة أو بمسوح محدودة الحجم، وبما يساعد على فهم كيفية تشكل الانقسامات حول القضايا الكبرى
كما تفتح الدراسة الباب أمام دراسات مقارنة في بلدان أخرى وانتخابات لاحقة، للتحقق من مدى استقرار هذه العلاقة بين موضوعات الحملات الرقمية ونتائج الاقتراع، ولتطوير نماذج أدق في التصنيف تراعي التداخل المتزايد بين سرديات الأحزاب المتنافسة
ويكتسب رصد الاستقطاب على المنصات الرقمية أهمية خاصة لأن الحملات الانتخابية المعاصرة باتت تدور بدرجة كبيرة في الفضاء الرقمي، حيث تصاغ الرسائل وتُختبر ردود الفعل عليها لحظيًا، وحيث يمكن للموضوعات المستقطبة أن تنتقل من تغريدة واحدة إلى صدارة النقاش العام في ساعات قليلة، مؤثرة في أجندة وسائل الإعلام التقليدية وفي أولويات الناخبين معًا
وتسلط معدلات الخطأ في التصنيف الضوء على تحدي منهجي مهم في تحليل الخطاب السياسي آليًا، فحين تتبنى الأحزاب المتنافسة موضوعات بعضها بعضًا وتتقارب لغتها حول قضايا بعينها، تتراجع قدرة النماذج على الفصل الحاسم بينها، وهو ما يستدعي تطوير خصائص لغوية وسياقية أدق وتحسين بيانات التدريب ومراعاة التطور الزمني للخطاب خلال الحملة
كما تشير غلبة الذاتية في التغريدات الانتخابية إلى طبيعة التواصل السياسي على المنصات الاجتماعية، حيث تختلط المعلومة بالرأي والتعبئة بالتحليل، وحيث يكافأ الخطاب الانفعالي عادة بانتشار أوسع من انتشار الخطاب الموضوعي المتحفظ
وخلاصة القول إن موضوعات الاستقطاب لم تكن ضجيجًا عابرًا في حملة انتخابات 2022 الأمريكية، بل كانت حاضرة في خطاب المرشحين والأحزاب ومرتبطة بنتائج الانتخابات، وهو ما يجعل من تحليلها مدخلًا مهمًا لفهم ديناميات التنافس السياسي المعاصر
