أثرت جائحة كوفيد-19 في جميع جوانب الرعاية الصحية ومعالجة المرضى، ولاسيما المرضى ذوي الشكاوى المتصلة بالصحة النفسية وتعاطي المواد، وهي فئة تحتاج في أقسام الطوارئ إلى معاملة دقيقة تراعي هشاشتها، وقد أشارت بحوث سابقة إلى زيادة مقلقة في استخدام تدخلات التقييد والعزل مع هذه الفئة خلال الجائحة، وإن تباينت النتائج تبعًا لنوع المنشأة وفئة المرضى، فجاءت الحاجة إلى فحص دقيق على مستوى إقليم كامل لحسم صورة هذا التحول وحجمه
فالتقييد والعزل إجراءان قسريان يلجأ إليهما عند الضرورة لحماية المريض ومن حوله، غير أن الإفراط فيهما ينطوي على مخاطر جسدية ونفسية ويهدد كرامة المريض وثقته بالمنظومة الصحية، ولذلك يعد رصد مستوياتهما مؤشرًا حساسًا على ضغوط النظام الصحي وجودة إدارة الأزمات، فإذا ارتفعت هذه التدخلات في زمن الطوارئ دل ذلك على حاجة ماسة إلى سياسات بديلة تخفف التوتر وتدعم الفرق الطبية في التعامل الآمن مع الحالات المضطربة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى استكشاف التغيرات المرتبطة بالجائحة في استخدام تدخلات التقييد والعزل بين المرضى المترددين على أقسام الطوارئ في أونتاريو بشكاوى الصحة النفسية وتعاطي المواد، ولتحديد ما إذا كانت العوامل الزمنية والسريرية مرتبطة بتغيرات الاستخدام أثناء الجائحة، حسبت نماذج انحدار لوجستي ثنائي باستخدام بيانات نظام الإبلاغ الوطني للرعاية الإسعافية، وقارنت الدراسة بين نسب الانتشار واحتمال وقوع حدث تقييد أو عزل أثناء زيارة قسم الطوارئ قبل بدء الجائحة وبعده
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج ارتفاعًا ملموسًا في استخدام التقييد والعزل خلال الجائحة يعرض أبرزه في النقاط الآتية
1- ازداد عدد زيارات أقسام الطوارئ التي وقع فيها حدث تقييد أو عزل للمرضى ذوي شكاوى الصحة النفسية وتعاطي المواد بنسبة 9.5 في المئة بعد بدء الجائحة
2- ارتفع احتمال وقوع حدث تقييد أو عزل أثناء زيارة قسم الطوارئ لهؤلاء المرضى بنسبة 23 في المئة بعد بدء الجائحة مقارنة بما قبلها
3- تراوحت الزيادة في احتمال وقوع الحدث بين 0.7 و21.3 في المئة بحسب فئات الشكاوى، وبلغت ذروتها خلال الموجة الأولى من الجائحة حين كان الضغط على النظام الصحي والغموض حول الفيروس في أشدهما
4- أظهر المرضى ذوو الشكاوى المرتبطة أصلًا قبل الجائحة بخطر تقييد أعلى الزيادات الأكبر في احتمال التقييد، مما يشير إلى تفاقم المشكلات السلوكية أثناء العلاج لدى هذه الفئة بعد بدء الجائحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج إمكان الإفادة في تطوير السياسات القائمة للتخفيف من المخاطر المرتبطة باستخدام تدخلات التقييد والعزل أثناء الطوارئ الصحية العامة المقبلة وفي الممارسة العامة على حد سواء، إذ تدعو إلى تجهيز أقسام الطوارئ ببدائل التهدئة وفرق دعم سلوكي وكوادر كافية في موجات الضغط، بدل أن يتحول التقييد إلى الخيار الأسهل تحت الإنهاك، كما تلفت إلى ضرورة حماية خاصة للفئات الأعلى خطرًا التي تتضاعف احتمالات تقييدها زمن الأزمات، بصفتها الأكثر هشاشة والأقل قدرة على الدفاع عن حقوقها
ويكتسب هذا الموضوع حساسية خاصة لأنه يقع عند تقاطع السلامة السريرية وحقوق المرضى، إذ يعد التقييد والعزل من أكثر التدخلات إثارة للجدل الأخلاقي والقانوني في الطب النفسي وطب الطوارئ، وتعمل أنظمة صحية كثيرة على تقليلهما إلى الحد الأدنى الضروري عبر بروتوكولات التهدئة اللفظية والبيئات الآمنة والتدريب المتخصص، فحين ترتفع مستوياتهما تحت ضغط طارئة صحية عامة تتكشف هشاشة هذه المنظومات الوقائية وسرعة انهيارها عندما تستنزف الكوادر وتضيق المساحات وتغيب البدائل، وهو درس يتجاوز سياقًا إقليميًا بعينه إلى كل نظام صحي يعد نفسه للأزمات المقبلة
كما يستدعي الأمر تأهيل كوادر الطوارئ على التعامل مع الاضطراب السلوكي بأساليب التهدئة والاحتواء قبل اللجوء إلى التدخلات القسرية، وتوثيق كل حدث تقييد أو عزل توثيقًا دقيقًا يتيح المراجعة والمساءلة وتحسين الممارسة باستمرار
وخلاصة القول إن الدراسة توثق ببيانات إقليمية شاملة تصاعد اللجوء إلى التقييد والعزل في طوارئ أونتاريو خلال الجائحة، وخاصة موجتها الأولى، بما يجعل ضبط هذه التدخلات وتوفير بدائلها جزءًا أصيلًا من التأهب للطوارئ الصحية المقبلة
