يحتل المنطق الصوري مكانة مركزية في مساعي بناء ذكاء اصطناعي قادر على الاستدلال الرشيد، إذ أثبت المنطق الاستنباطي المستخدم في التعبير عن المحتوى التصريحي القابل للصياغة في صورة بديهيات والاستدلال عليه قدرة واسعة، حتى بات يغطي جوهريًا كل ما هو معروف في الرياضيات والفيزياء، بما في ذلك تفاصيل البراهين التي تأسست عليها هذه المعارف وترسخت بها عبر التاريخ، وهو إنجاز كبير يصعب التقليل من شأنه في فهم كيفية تمثيل المعرفة الإنسانية معالجة حاسوبية دقيقة تخضع خطواتها للفحص والتحقق
غير أن هذا النجاح الواسع لا يلغي قصورًا جوهريًا في المنطق الاستنباطي حين يتعلق الأمر بالحجج المتنازعة والمتباينة، فمهما أضيف من معلومات إضافية يظل المنطق الاستنباطي وحده عاجزًا عن الفصل العقلاني بين الحجج المتعارضة والحسم في أيها أرجح وأقوى، ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من توجيه أساس مفاده أن الحجاج ينبغي أن يكون الأساس الذي يقوم عليه الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، بحيث تدار المعرفة والقرار عبر حجج تتنافس وتتفاعل وتخضع للتقويم المستمر لا عبر استنتاجات جامدة لا تقبل المراجعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تقديم إطار منطقي مزدوج يجمع بين الاستنباط والاستقراء في معالجة الحجج، فعرضت حسابًا معرفيًا استنباطيًا يوظف مع مبرهن آلي للاستنباط، وحسابًا معرفيًا استقرائيًا يوظف مع محكم آلي للاستقراء يستند إلى مفاهيم الاحتمال الراجح كما يستخدمها البشر، ويتمثل جوهر عمل المحكم الاستقرائي في الحجج المتنافسة الدقيقة الفروق التي يفصل بينها فصلًا غير رتيب عبر الزمن، بحيث يمكن أن تتغير النتيجة بتغير ما يتوافر من حجج ومعلومات جديدة، ولتوضيح الإطار وتجسيده اعتمدت الدراسة ثلاث دراسات حالة طبقت فيها أدواتها الآلية، تناولت الأولى مشكلة مونتي هول الشهيرة، وانصرفت الثانية إلى محاكاة يشارك فيها روبوت معرفي، واشتغلت الثالثة بالبنية المعرفية أركاديا المصممة لنمذجة الإدراك البشري عالي المستوى بطرق تأخذ الإدراك والانتباه مأخذ الجد
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى مجموعة من الخلاصات التي يمكن إجمال أبرزها في النقاط الآتية
1- أظهرت دراسات الحالة أن الجمع بين الحسابين الاستنباطي والاستقرائي يتيح معالجة متماسكة لطيف واسع من مسائل الاستدلال، من الألغاز الاحتمالية المعروفة إلى محاكاة الروبوتات المعرفية والبنى المعرفية المحاكية للإنسان
2- أكدت النتائج أن الفصل غير الرتيب في الحجج المتنافسة عبر الزمن يوفر آلية مرنة لمراجعة الأحكام كلما ظهرت حجة جديدة أو تغيرت قوة حجة قائمة، وهو ما يقرب عمل النظام من طبيعة التفكير البشري الواقعي
3- ناقشت الدراسة نوعًا من الحجج قلما حظي بالتحليل في الذكاء الاصطناعي القائم على المنطق، وهي الحجج المصممة للإقناع عبر استغلال أوجه القصور البشري، بما يتصل بمعالجة الإدراك المخترق ومواطن الضعف الإدراكي لدى المتلقين
4- انتهت الدراسة إلى التأمل في مستقبل هذا النمط من البحوث وما يرتبط به من هندسة، مؤكدة أن تطوير أنظمة تحاجج وتفصل بين الحجج يمثل مسارًا واعدًا لبناء ذكاء اصطناعي أكثر تمحورًا حول الإنسان وأقرب إلى ممارساته الاستدلالية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتعدد دلالات هذه الدراسة على مستوى نظرية الذكاء الاصطناعي وممارساته، فهي تقدم أساسًا منطقيًا صارمًا لبناء أنظمة لا تكتفي باشتقاق النتائج من المقدمات، بل تزن الحجج المتزاحمة وتعيد وزنها مع تبدل السياق، وهو ما يفيد في تطبيقات تتطلب قرارات قابلة للتفسير والدفاع عنها أمام المستخدمين، كما تلفت الدراسة الانتباه إلى البعد المعرفي والأخلاقي المتصل بالحجج الإقناعية التي تستغل قصور الإدراك البشري، إذ يفتح تحليل هذا النوع من الحجج الباب أمام فهم أعمق لآليات التأثير والتلاعب، وأمام تصميم أنظمة أقدر على رصدها ومواجهتها وحماية المستخدمين منها، ويمتد أثر ذلك إلى مجالات التعليم والتفاوض الآلي ودعم القرار
وخلاصة القول إن الدراسة تؤسس لرؤية تجعل الحجاج قلب الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، عبر منطق استقرائي قائم على الحجج يتعامل مع التعارض والترجيح والإدراك المخترق، بما يمهد لأنظمة استدلالية أكثر واقعية وشفافية وقدرة على مجاراة طبيعة التفكير البشري في مواقف الخلاف والالتباس
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/frai.2023.1144569/full
DOI: 10.3389/frai.2023.1144569
