تتراكم الأدبيات العلمية بوتيرة متسارعة تجعل تتبعها اليدوي وتصنيف أجزائها مهمة شاقة على الباحثين وأمناء المكتبات، إذ يتطلب فهم أي مقال علمي تمييز أقسامه البنيوية كالمنهج والنتائج والمناقشة ومعرفة الوظيفة التي يؤديها كل قسم في الخطاب العلمي الكلي
ومع نضج تقنيات معالجة اللغة الطبيعية والتعلم العميق أصبح ممكنًا أتمتة هذا التعرف البنيوي الوظيفي، بما يعين على التنقيب في النصوص وقياس المعلومات وتحسين إدارة الأدبيات واسترجاعها، وهو ما تناولته هذه الدراسة بتطبيق نماذج لغوية عميقة حديثة على نصوص كاملة من سلسلة مجلات بلوس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كفاءة نماذج التعلم العميق في التعرف على بنية الخطاب وسماته الوظيفية في النصوص العلمية، وبحث إمكانات تطبيق تقنيات معالجة اللغة الطبيعية في التنقيب النصي وقياس المعلومات والاتصال العلمي
استخدمت الدراسة سلسلة أدبيات بلوس للحصول على بيانات النص الكامل، وطبقت أربعة نماذج تعلم عميق هي بيرت وروبرتا وساي بيرت وإس ساي بيرت في مهمة التعرف على البنية والوظيفة، مع مقارنة أدائها العام وأدائها بحسب أنواع الفقرات المختلفة
ويكتسب التعرف البنيوي الوظيفي أهميته من أن المقال العلمي ليس نصًا متجانسًا، بل بناء مقصود تتوالى فيه وحدات تؤدي وظائف خطابية متمايزة، كعرض المشكلة ووصف المنهج وتقديم النتائج ومناقشتها، وفهم هذه البنية شرط لأي معالجة آلية رشيدة للنصوص العلمية، سواء أكان الهدف تلخيصها أم ترجمتها أم الربط بينها وبين أدبيات سابقة في شبكات الاستشهاد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت التجارب تفوقًا واضحًا لأحد النماذج المتخصصة في الأدبيات العلمية، وتلخصت أبرز النتائج فيما يأتي
النتيجة الأولى: قدم نموذج ساي بيرت أداءً متميزًا فاق النماذج الثلاثة الأخرى في التعرف على البنية والوظيفة الخطابية، مسجلًا أعلى قيمة في مقياس درجة إف واحد بين النماذج المقارنة
النتيجة الثانية: بين تحليل أداء أنواع الفقرات المختلفة أن النماذج تحقق أداءً جيدًا في فقرات بعينها، وفي مقدمتها فقرات المنهج وفقرات النتائج ذات البنية المنتظمة والصيغ المتكررة
النتيجة الثالثة: أثبتت النماذج قدرتها على التعرف على العناصر البنيوية والوظيفية على مستوى الخطاب الكامل، لا على مستوى الجمل المفردة، ولا سيما في الأدبيات العلمية ذات التنظيم المقالي المستقر
النتيجة الرابعة: أكدت الدراسة أن تقنيات معالجة اللغة الطبيعية تمتلك آفاقًا واسعة في مجالات متعددة تشمل التنقيب في النصوص وقياس المعلومات والاتصال العلمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتتجلى دلالة هذه النتائج في أن التحليل الآلي للنصوص والتعرف على معلوماتها البنيوية والوظيفية يرفع كفاءة إدارة الأدبيات واسترجاعها، فيختصر على الباحث زمن الفرز والتصنيف، ويسرّع تقدم البحث العلمي ذاته حين تصبح ملايين المقالات قابلة للمعالجة الحاسوبية المنظمة
كما تفتح هذه القدرة آفاقًا لتطبيقات عملية في المكتبات الرقمية ومحركات البحث الأكاديمية وأدوات قياس المعلومات، بحيث تُبنى خدمات تلخيص وتصنيف وربط بين الدراسات على فهم حاسوبي لبنية المقال ووظائف أقسامه، وهو ما يعزز قيمة النماذج اللغوية المتخصصة في النصوص العلمية مقارنة بالنماذج العامة
ويستدعي تطوير هذه القدرة مزيدًا من البحث في تدريب النماذج على مصنفات أدق لوظائف الفقرات، وفي تقويم أدائها عبر تخصصات ولغات متنوعة، حتى تنضج أدوات التحليل البنيوي الوظيفي بوصفها بنية تحتية معرفية تخدم النشر العلمي والبحث على السواء
وتمتد فوائد هذه القدرة إلى خدمات التحليلات الببليومترية وتقويم النشر العلمي، إذ يمكن بفضلها استخراج مناهج الدراسات ونتائجها آليًا على نطاق واسع لبناء قواعد أدلة حية، ومساعدة المحكمين والمحررين على فحص اكتمال أقسام المقالات، وتمكين الباحث من البحث داخل أقسام بعينها كأن يبحث في نتائج الدراسات فقط، وهي خدمات يستحيل تقديمها بالمعالجة اليدوية أمام ملايين المقالات المنشورة سنويًا في قواعد البيانات العالمية
وخلاصة القول إن نماذج التعلم العميق، وفي مقدمتها ساي بيرت، قادرة على التعرف الدقيق على بنية الخطاب العلمي ووظائفه، بما يجعل معالجة اللغة الطبيعية أداة ذات قيمة كبيرة في إدارة المعرفة العلمية وتسريع البحث
