تحتل سياحة الطهي المحلية مكانة متنامية في صناعة السياحة المعاصرة، إذ يسعى السائحون بصورة متزايدة إلى تجارب غذائية أصيلة تعكس ثقافة المكان وهويته، وأصبحت نية إعادة الزيارة مؤشرًا حاسمًا على نجاح الوجهة وقدرتها على بناء قاعدة زائرين أوفياء، مما يدفع الباحثين والمسوقين إلى فهم العوامل التي تشكل هذه النية والآليات النفسية الوسيطة التي تربط خصائص التجربة بقرار العودة
ويتفاعل في تشكيل هذه التجربة عنصران بارزان في العصر الرقمي، هما أصالة الطعام بوصفها جوهر التجربة الثقافية المحلية، والانكشاف عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه قناة تشكيل التصورات والتوقعات قبل الزيارة وبعدها، غير أن دور العوامل الوسيطة كالتجربة التي لا تُنسى وصورة الوجهة في نقل أثر هذين العاملين إلى نية إعادة الزيارة يحتاج إلى فحص تجريبي دقيق
وتنمو سياحة الطهي في إندونيسيا وغيرها مدفوعة بتنوع المطابخ المحلية وثراء المكونات والوصفات التراثية المتوارثة، وتمثل مقاطعة ماغيلانغ بمعالمها الثقافية الشهيرة ومطبخها المحلي المميز بيئة خصبة لدراسة سلوك السائح الغذائي، إذ تجمع بين الجذب السياحي العام وتجارب طعام محلية يمكن أن تتحول بذاتها إلى سبب مستقل للزيارة والعودة المتكررة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر أصالة الطعام والانكشاف عبر وسائل التواصل الاجتماعي في نية إعادة زيارة وجهات سياحة الطهي المحلية، بتوسيط تجربة سياحة الطهي التي لا تُنسى وصورة الوجهة، واعتمدت منهجًا كميًا من النوع التفسيري، وأجري المسح على 400 سائح محلي سبق لهم خوض تجربة سياحة طهي محلية في مقاطعة ماغيلانغ، عبر توزيع استبانات على المشاركين، وحُللت البيانات باستخدام نمذجة المعادلات البنائية ببرنامج ليزريل 8.8 لاختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين متغيرات النموذج
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تبين أن أصالة الطعام تؤثر إيجابيًا وبصورة دالة في نية إعادة الزيارة، إذ تعزز الأطباق المحلية الأصيلة رغبة السائح في العودة إلى الوجهة وتكرار التجربة الغذائية فيها
2- تبين أن الانكشاف عبر وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر بدوره إيجابيًا وبصورة دالة في نية إعادة الزيارة، فالمحتوى المتداول عن أطعمة الوجهة وتجاربها يرفع جاذبيتها ويشجع على زيارتها مجددًا
3- أظهرت تجربة سياحة الطهي التي لا تُنسى دورًا وسيطًا فاعلًا في نقل أثر أصالة الطعام والانكشاف الرقمي إلى نية إعادة الزيارة، فالتجارب الغذائية الراسخة في الذاكرة تحول الانطباعات الإيجابية إلى قرار فعلي بالعودة
4- أظهرت صورة الوجهة بدورها دورًا وسيطًا في هذه العلاقات، إذ تصوغ التصورات الذهنية المتكونة عن الوجهة من مجمل التجربة والمحتوى الرقمي اتجاه السائح نحو إعادة زيارتها والتوصية بها
ويجدر التنبيه إلى أن الوساطة المزدوجة للتجربة المميزة وصورة الوجهة تعني أن أثر الأصالة والانكشاف الرقمي ليس مباشرًا فحسب، بل يمر بقنوات نفسية يمكن للمسوقين التأثير فيها بتصميم لحظات تجربة مقصودة قابلة للتوثيق والمشاركة والتداول بين السائحين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توسع هذه النتائج نظرية سلوك المستهلك بإدماج العناصر الثقافية والرقمية في تفسير قرارات السائحين، وتدعم تطوير نظرية المثير والعضوية والاستجابة ونظرية قيمة العلامة في سياق وجهات سياحة الطهي، وعمليًا تفيد مديري الوجهات والمطاعم المحلية بأهمية الحفاظ على أصالة الأطباق وتوثيقها بوصفها أصلًا تسويقيًا، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي بفاعلية لعرض التجارب الغذائية المميزة، وبناء صورة وجهة متسقة تحول الزيارة الأولى إلى زيارات متكررة وتوصيات إيجابية متداولة بين السائحين
وتضيف النتائج لبنة تطبيقية لأصحاب المطاعم والفعاليات الغذائية المحلية بضرورة الاستثمار في توثيق قصص الأطباق ومكوناتها المحلية وتقديم تجربة متكاملة تتجاوز جودة الطعم إلى أجواء المكان وخدمة الضيوف وحسن استقبالهم، فهذه العناصر مجتمعة هي ما يستقر في ذاكرة السائح ويتداوله رقميًا بين معارفه، مع الحذر في المقابل من أن المحتوى الرقمي المبالغ فيه قد يرفع توقعات لا يفي بها الواقع فينعكس سلبًا على صورة الوجهة ونية العودة إليها
وخلاصة القول إن نية إعادة الزيارة في سياحة الطهي المحلية ثمرة تفاعل بين أصالة التجربة الغذائية وحضورها الرقمي، تتوسطه ذاكرة السائح وصورة الوجهة في ذهنه، وإدارة هذا التفاعل بوعي هي مفتاح استدامة الوجهات الغذائية المحلية ونموها
