يظل استخدام التبغ والتعرض لمنتجاته تحديًا رئيسًا للصحة العامة في العالم، ولا يستثني هذا التحدي الرياضيين رغم ما يفترض في نمط حياتهم من ابتعاد عن السلوكيات الضارة بالأداء البدني، إذ قد يتعرضون للتدخين المباشر أو للدخان الثانوي في بيئات التدريب والسكن والمنافسات، بما ينعكس سلبًا على صحتهم وقدراتهم التنفسية والقلبية
ويعتمد تقويم هذا التعرض تقليديًا على الإبلاغ الذاتي الذي قد لا يعكس الواقع بدقة، ولذلك تتجه الدراسات إلى مؤشرات حيوية موضوعية كمستوى الكوتينين في البول، وهو المستقلب الرئيس للنيكوتين، ومستوى أول أكسيد الكربون في هواء الزفير، بما يتيح قياسًا كميًا لدرجة التعرض المباشر وغير المباشر وتحديد عتبات كشف يعتمد عليها في المسوح الصحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم استخدام التبغ والتعرض للدخان الثانوي لدى الرياضيين من خلال مستويات الكوتينين في البول وقياسات أول أكسيد الكربون في هواء الزفير، وتحديد قيمة حدية مثلى للكشف عن التعرض للدخان الثانوي اعتمادًا على هذه المؤشرات الحيوية
واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا شمل رياضيين مرخصين راجعوا عيادة الطب الرياضي الخارجية في أحد المستشفيات المرجعية، وأكمل المشاركون استبانة إلكترونية حول عادات التدخين والتعرض للدخان الثانوي، وحُللت عينات البول لقياس مستويات الكوتينين، وقيست مستويات أول أكسيد الكربون في هواء الزفير، ثم قورنت المستويات بين فئات التعرض المختلفة إحصائيًا
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: شارك في الدراسة 421 رياضيًا، شكل الذكور نسبة 57.8 في المئة منهم، وبلغ العمر الوسيط للمشاركين 18 عامًا، وأبلغت نسبة 29.9 في المئة منهم، وعددها 126 رياضيًا، عن استخدام التبغ
النتيجة الثانية: بلغ وسيط مستوى الكوتينين في البول 22.9 نانوغرام لكل مليلتر لدى مستخدمي التبغ اليوميين، و17.4 نانوغرام لكل مليلتر لدى الرياضيين المعرضين يوميًا للدخان الثانوي، مع وجود فرق ذي دلالة إحصائية بين مستويات التعرض عند مستوى دلالة أقل من 0.05
النتيجة الثالثة: حُددت القيمة الحدية المثلى للكشف عن التعرض للدخان الثانوي بمقدار 12.5 نانوغرام لكل مليلتر من الكوتينين في البول، وبلغ وسيط أول أكسيد الكربون في هواء الزفير 5 أجزاء في المليون لدى مستخدمي التبغ اليوميين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالة هذه النتائج في أن انتشار استخدام التبغ بين الرياضيين يعكس المعدلات الوطنية في تركيا تقريبًا، مما يعني أن الانتماء الرياضي وحده لا يوفر حماية كافية من هذه العادة، وأن التعرض المباشر والدخان الثانوي ما يزالان قضيتين ملحتين في الوسط الرياضي رغم التدابير القانونية المتخذة للحد من استخدام التبغ
ويمكن للجهات الرياضية والطبية الاستفادة من العتبات الحيوية التي حددتها الدراسة في برامج الفحص الدوري للرياضيين ومسوح التعرض داخل المنشآت الرياضية، مقرونة ببرامج توعية وإقلاع مصممة للفئات الشابة، وسياسات صارمة لمنع التدخين في محيط التدريب والإقامة والمنافسات حماية للمعرضين سلبيًا
كما تسلط الدراسة الضوء على قيمة المؤشرات الحيوية الموضوعية في رصد التعرض للتبغ مقارنة بالاكتفاء بالإبلاغ الذاتي، بما يدعم توظيفها في التقويمات الصحية الدورية للرياضيين ودراسات الصحة العامة التي تستهدف قياس أثر السياسات والتدخلات الوقائية قياسًا موثوقًا
ويستحق التعرض للدخان الثانوي عناية خاصة في الوسط الرياضي، إذ يشارك الرياضيون زملاء ومدربين وجماهير في أمكنة مغلقة أو مزدحمة، وقد يقيمون في مساكن جماعية أثناء المعسكرات والبطولات، فتتراكم جرعات التعرض غير المباشر حتى تقترب بمؤشراتها الحيوية من مستويات المدخنين الخفيفين كما أظهرت قياسات هذه الدراسة
ويعد الكوتينين مؤشرًا حيويًا مفضلًا في هذا النوع من الدراسات لأنه المستقلب الرئيس للنيكوتين وعمره النصفي أطول من النيكوتين ذاته، فيلتقط التعرض الممتد خلال الأيام السابقة للفحص، بينما يعكس أول أكسيد الكربون في الزفير التعرض الأقرب زمنيًا، فيتكامل المؤشران في رسم صورة زمنية أدق لعبء التعرض الفعلي
وتبرز خطورة استخدام التبغ لدى الرياضيين الشباب على وجه الخصوص، إذ بلغ العمر الوسيط للمشاركين في الدراسة 18 عامًا، وهي مرحلة تتشكل فيها العادات الصحية الراسخة، فتتحول التجربة المبكرة إلى اعتماد طويل الأمد يقوض المكاسب الصحية للنشاط الرياضي ويؤثر في النمو الرئوي والأداء التنافسي المستقبلي
وخلاصة القول إن استخدام التبغ والتعرض للدخان الثانوي واقع قائم بين الرياضيين بمعدلات تقارب معدلاته الوطنية رغم التدابير القانونية، وتقدم الدراسة عتبات حيوية عملية بمستوى الكوتينين وأول أكسيد الكربون تعين على كشف هذا التعرض والتصدي له صحيًا ووقائيًا
