تستخدم نماذج التنبؤ بالتعثر المالي على نطاق واسع لدعم إدارة المخاطر لدى المؤسسات المالية والشركات والدائنين، غير أن الاضطرابات الاقتصادية الكبرى مثل جائحة كوفيد-19 قد تخل بالعلاقات القائمة بين المؤشرات المالية والتعثر، مهددة بذلك استقرار تنبؤات هذه النماذج ودقتها في الأوقات التي تشتد فيها الحاجة إليها أكثر من غيرها
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لاقتصادات كثيرة وتتأثر بشدة بتقلبات الظروف الاقتصادية، إذ قد يبنى قرار الإقراض أو الرقابة على نموذج فقد صلاحيته بتغير البيئة الاقتصادية التي بني في ظلها، ومن هنا تأتي الحاجة إلى فحص مدى ثبات نماذج التنبؤ بالإفلاس عبر فترات اقتصادية متباينة، واختيار إستراتيجية النمذجة الأنسب لكل بيئة وظرف
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص استقرار نماذج التنبؤ بالإفلاس على عينة كبيرة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة في سلوفاكيا، وميزت ثلاث فترات اقتصادية هي سنوات ما قبل الجائحة 2018 و2019، وسنوات جائحة كوفيد-19 في 2020 و2021، وسنوات التعافي اللاحقة للجائحة 2022 و2023، وقارنت الدراسة بين منهجين في بناء النماذج التنبؤية لهذه الفترات
ففي المنهج الأول قدرت نماذج منفصلة لكل فترة على حدة تراعي خصوصية علاقاتها المالية، وفي المنهج الثاني بني نموذج شامل واحد يغطي الفترات الثلاث جميعًا ويضم مؤشرًا خاصًا بالفترة ضمن متنبئاته، واستخدمت الدراسة بيانات مالية متاحة للعموم وأساليب التعلم الآلي في بناء النماذج، وقومت أداءها باستخدام مقاييس التصنيف الشائعة في هذا المجال
ثانيًا: أبرز النتائج
1- قومت الدراسة متانة النهجين واستقرارهما وقوتهما التنبؤية وقابليتهما للتطبيق العملي، لبيان ما إذا كانت النماذج الخاصة بكل فترة توفر دقة تنبؤية أعلى من النموذج الشامل، أم أن النموذج الواحد قادر على التكيف مع الظروف الاقتصادية المتغيرة دون فقدان يعتد به في الأداء
2- أظهرت المقارنة فروقًا في الأداء بين النهجين تكشف أثر التقلبات الاقتصادية في دقة نماذج التنبؤ بالإفلاس، ودرجة اعتماد نتائج هذه النماذج على الفترة التي جمعت بياناتها وبنيت علاقاتها في ظلها
3- وضعت النتائج أساسًا إرشاديًا لاختيار إستراتيجيات النمذجة المناسبة عبر البيئات الاقتصادية المختلفة، وقدمت توصيات لتطوير النماذج التنبؤية وتطبيقها في الظروف المالية المتقلبة بوعي أكبر بحدود كل نهج ومتطلباته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد دلالات الدراسة ممارسي إدارة المخاطر والمحللين الماليين في الحذر من افتراض ثبات العلاقات بين المؤشرات المالية والتعثر عبر الزمن، وتدعو إلى مراجعة دورية للنماذج المستخدمة في تقويم الجدارة الائتمانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وإعادة معايرتها كلما تغيرت الظروف الاقتصادية تغيرًا جوهريًا، وإلى الموازنة الواعية بين تخصص النماذج بحسب الفترة وشموليتها عند اتخاذ قرارات الإقراض والرقابة المالية والإشراف على المحافظ الائتمانية
وتتماس هذه القضية مع دروس الأزمات المالية المتعاقبة التي أظهرت مرارًا أن النماذج الكمية مهما بدت دقيقة في فترات الاستقرار قد تضلل مستخدميها عند أول انعطاف اقتصادي حاد، لأن علاقاتها الإحصائية مشروطة بالبيئة التي تولدت فيها بياناتها، وهو ما يعرف في الأدبيات بمخاطر انجراف العلاقات عبر الزمن، وتتضاعف هذه المخاطر في المنشآت الصغيرة والمتوسطة لضعف هوامش الأمان لديها وتأثرها السريع بانكماش الطلب وتشديد الائتمان، ومن هنا تكتسب المقارنة المنهجية بين بناء نماذج خاصة بكل فترة وبناء نموذج شامل قيمتها العملية، فهي تختبر فعليًا مقايضة جوهرية بين دقة التكيف مع خصوصية كل مرحلة وبين وفورات النموذج الموحد وبساطة صيانته وتطبيقه عبر مؤسسات كثيرة، ولا تنفصل الإجابة عن طبيعة البيانات المتاحة وحجمها في كل فترة، وعن كلفة إعادة البناء الدوري للنماذج وقدرات الفرق الفنية المشغلة لها
وخلاصة القول إن سؤال الدراسة عما إذا كان نموذج واحد يناسب جميع الفترات يظل سؤالًا مفتوحًا على طبيعة كل اقتصاد وحدة تقلباته، غير أن قيمتها العملية تكمن في تنبيه المؤسسات إلى أن النماذج التنبؤية أدوات حية تحتاج إلى متابعة وتقويم مستمرين، لا إلى حلول جاهزة تصلح لكل زمان وظرف
