يتعرض العاملون في المهن الرعائية لأخطار نفسية في بيئة العمل من أبرزها رضا التعاطف وإجهاد التعاطف، وهما ظاهرتان ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بالصحة النفسية والوجدانية لمن يقدمون الرعاية والخدمة للآخرين، وعلى الرغم من مركزية الدور الرعائي للمعلمين تجاه طلابهم، فإن مدى هذين الخطرين لم يستكشف من قبل لدى المعلمين وسائر العاملين في التعليم في مقاطعة ألبرتا الكندية
وتزداد الحاجة إلى فهم هذه الظاهرة وتتبعها عبر الزمن مع ما يواجهه قطاع التعليم من ضغوط متصاعدة ومتطلبات مهنية متنامية، إذ يقدم رصد تجارب المعلمين على مدى سنوات متتالية أساسًا معرفيًا رصينًا لصناع القرار ومعدي المعلمين وقيادات الأنظمة التعليمية الساعية إلى تحسين الرفاه في بيئات العمل المدرسية وحماية رأس مالها البشري من الاستنزاف النفسي والمهني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف مدى رضا التعاطف وإجهاده لدى المعلمين والعاملين في التعليم في ألبرتا وتتبع تجاربهم عبر الزمن بوصفه هدفًا رئيسًا لهذا البحث الذي امتد ثلاث سنوات، واعتمدت الدراسة منهجية متعددة الأساليب وطولية، فأجريت من يونيو 2020 إلى مايو 2023، وجمعت البيانات في ثلاث نقاط زمنية مختلفة بين عامي 2020 و2023 للتعرف على أحوال الصحة النفسية والوجدانية للمعلمين والعاملين في التعليم
وتناول التحليل الكمي لهذه البيانات مدى رضا التعاطف وإجهاده على المستوى العام في المقاطعة، وعلاقته بسنوات الخبرة في مجال التعليم، إضافة إلى مقارنته بحسب النوع الاجتماعي والدور الوظيفي للمشاركين داخل النظام التعليمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر تحليل البيانات الكمية أن أزمات الصحة النفسية والوجدانية واسعة الانتشار بين المعلمين والعاملين في التعليم في ألبرتا، وأنها آخذة في التعمق والاشتداد بمرور الوقت
2- تدهور الرفاه في بيئة العمل عبر سنوات الدراسة الثلاث من حيث العدد والشدة معًا، بما يشير إلى اتجاه عام متصاعد لا إلى حالات فردية متفرقة يمكن معالجتها بمعزل عن السياق المؤسسي
3- لم يقتصر هذا التدهور على فئة دون أخرى، بل ظهر عبر النوع الاجتماعي والأدوار الوظيفية المختلفة داخل النظام التعليمي، مما يعزز كونه ظاهرة نظامية شاملة
4- وثقت الدراسة تفاوتات مرتبطة بسنوات الخبرة في مجال التعليم عند تناول مدى رضا التعاطف وإجهاده بين العاملين، بما يوجه الانتباه إلى احتياجات المراحل المهنية المختلفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة دليلًا إضافيًا على تعمق الأزمة التي يواجهها قطاع التعليم في ألبرتا، وتتضمن مقترحات موجهة إلى صناع السياسات ومعدي المعلمين وصناع القرار في الأنظمة التعليمية المهتمين بتحسين الرفاه في بيئات العمل التعليمية، وتدعو النتائج إلى تدخلات مؤسسية مستدامة تدعم الصحة النفسية والوجدانية للمعلمين بوصفها شرطًا لجودة التعليم واستمرارية الكفاءات فيه، وإلى أنظمة رصد دورية ترصد مؤشرات إجهاد التعاطف مبكرًا قبل تحولها إلى احتراق مهني أو تسرب من المهنة
ويمتد أثر هذه الظاهرة إلى ما هو أبعد من حدود الفرد، إذ يرتبط إجهاد التعاطف لدى المعلمين بتراجع جودة التفاعل الصفي وبزيادة نية ترك المهنة وبارتفاع معدلات الغياب، مما يجعل رفاه المعلم قضية جودة تعليمية واقتصادية في آن واحد، وتزداد خطورة الأمر حين يتواصل التدهور عبر سنوات متتالية دون تدخل، فتتراكم الضغوط وتتحول إلى أزمات مزمنة يصعب علاجها لاحقًا، ومن هنا تبرز قيمة الدراسات الطولية التي ترصد الاتجاهات عبر الزمن وتميز بين التقلبات العابرة والتحولات البنيوية في بيئة العمل التعليمية، وتزود صناع القرار بأدلة زمنية تتيح التدخل المبكر وتصميم برامج دعم نفسي ومهني مستدامة تشمل التخفيف من الأعباء الإدارية وتعزيز الدعم الإشرافي والزمالي وبناء ثقافة مؤسسية تقدر المعلم وتحتفي بجهده بدل التعامل مع عطائه بوصفه موردًا مضمونًا لا ينضب
وخلاصة القول إن توثيق هذا التدهور المتنامي على مدى ثلاث سنوات يجعل معالجة رفاه المعلمين أولوية سياساتية ملحة، إذ لا يمكن انتظار تعليم جيد من كوادر تستنزف نفسيًا ووجدانيًا دون دعم مؤسسي منظم ومستمر
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-9032/13/3/226
DOI: 10.3390/healthcare13030226
