يحتل السلوك الابتكاري لدى العاملين مكانة متقدمة في أدبيات الإدارة المعاصرة، إذ تعتمد قدرة المنظمات على التجدد والمنافسة على ما يبديه أفرادها من مبادرات وأفكار جديدة قابلة للتطبيق، وتتعدد العوامل المؤثرة في هذا السلوك بين خصائص القيادة والمناخ التنظيمي ودرجة الثقة الداخلية والالتزام التنظيمي، غير أن فهم كيفية تفاعل هذه العوامل وتسلسل تأثيراتها ما يزال بحاجة إلى نماذج تفسيرية أدق، ولا سيما ما يتصل بدور المناخ الابتكاري الذي يُنظر إليه غالبًا بوصفه حلقة وصل بين القيادة والسلوك الابتكاري دون التوقف عند العوامل التي قد تتوسط عمله هو ذاته
وفي هذا السياق تبرز أهمية دراسة التبادل بين القائد والأعضاء بوصفه مدخلًا قياديًا يركز على جودة العلاقة بين القائد ومرؤوسيه وأثرها في اتجاهات العاملين وسلوكياتهم، وفحص ما إذا كان أثره في السلوك الابتكاري يمر عبر قنوات متسلسلة متداخلة
وتنبع أهمية هذا الفحص من أن كثيرًا من الدراسات السابقة عالجت الوساطة في العلاقات التنظيمية بصورة تبسيطية تكتفي بوسيط واحد، بينما الواقع التنظيمي أكثر تعقيدًا وتشابكًا، فالقيادة لا تؤثر في سلوك العاملين تأثيرًا مباشرًا فحسب بل عبر مناخات واتجاهات وسيطة تتشكل تدريجيًا داخل المنظمة، وكلما كان النموذج التفسيري أقرب إلى هذا التعقيد كان أقدر على توجيه الممارسة الإدارية توجيهًا سديدًا
كما أن المناخ الابتكاري بحد ذاته ليس كيانًا جامدًا بل إدراك مشترك لدى العاملين لمدى دعم منظمتهم للأفكار الجديدة وتحملها للمخاطرة المحسوبة، وهو إدراك يتأثر بجودة العلاقة مع القائد وبمستوى الثقة السائد داخل فرق العمل وبدرجة التزام العاملين بمنظمتهم، ومن هنا فإن التساؤل عن موقع المناخ في سلسلة التأثير يصبح تساؤلًا جوهريًا لفهم كيفية ولادة السلوك الابتكاري وتحويل الدعم القيادي إلى ممارسات مبتكرة فعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تأثير القيادة، ممثلة في التبادل بين القائد والأعضاء، في السلوك الابتكاري عبر المناخ الابتكاري، وبصورة غير مباشرة عبر الالتزام التنظيمي والثقة الداخلية، وقد جُمعت البيانات من 1114 موظفًا يعملون في شركات في سلوفينيا وصربيا، وحُللت البيانات الكمية والنموذج المقترح بتقنية نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، بما يتيح اختبار مسارات الوساطة المتعددة والمتسلسلة بين متغيرات الدراسة في نموذج واحد متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن للمناخ الابتكاري دورًا مركبًا في عملية التأثير في السلوك الابتكاري في العمل، ويمكن إجمال أبرز النتائج فيما يأتي
1- يعمل المناخ الابتكاري وسيطًا في العلاقة بين القيادة والسلوك الابتكاري، فأثر التبادل بين القائد والأعضاء في ابتكارية العاملين ينتقل جزئيًا عبر ما يهيئه هذا التبادل من مناخ داعم للابتكار
2- تخضع هذه العلاقة ذاتها لمزيد من الوساطة عبر الثقة الداخلية والالتزام التنظيمي، بما يكشف عن وساطة متسلسلة لا وساطة بسيطة
3- تكشف النتائج مجتمعة عن الدور المعقد للمناخ الابتكاري، فهو وسيط في علاقة وموضوع وساطة في علاقات أخرى داخل النموذج نفسه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات نظرية وعملية متعددة، فعلى الصعيد النظري توسع فهم آليات انتقال أثر القيادة إلى السلوك الابتكاري من نموذج الوساطة المفردة إلى نموذج متسلسل متعدد الحلقات، وعلى الصعيد العملي توجه أنظار المديرين إلى أن بناء مناخ ابتكاري لا يكفي وحده ما لم يقترن بتعزيز الثقة الداخلية والالتزام التنظيمي لدى العاملين، إذ تعمل هذه العوامل منظومة متكاملة تحفز السلوك الابتكاري، كما تفيد صانعي السياسات التنظيمية في تصميم تدخلات متزامنة تستهدف القيادة والمناخ والثقة والالتزام معًا
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت نموذجًا تفسيريًا ثريًا يبين أن الطريق من القيادة إلى السلوك الابتكاري طريق متعدد المحطات، يقف فيه المناخ الابتكاري محطة وسيطة تتأثر بدورها بالثقة والالتزام، بما يثري أدبيات السلوك التنظيمي ويمنح الممارسين خريطة أوضح لبناء بيئات عمل مبتكرة، ويؤكد أن الاستثمار في القيادة العلائقية استثمار مركب العوائد يمتد أثره إلى مختلف مخرجات الأداء التنظيمي
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/13/1/40
DOI: 10.3390/bs13010040
