تُعد الحوكمة الصحية العالمية منظومة مؤسسية معقدة ومتطورة تضم دولًا ومنظمات وفاعلين متعددين، غير أن السياسات الصحية المحلية والإقليمية قد تشكل أحيانًا تحديًا لهذه الحوكمة بسبب تباين الخطابات والممارسات بين البلدان، وقد أعادت جائحة كوفيد-19 تأكيد مركزية الحوكمة العالمية في السيطرة على الجائحة واستئصالها، إذ بدت الوحدات الدولية المعنية في البداية غير مبالية بدرجة كافية، ثم ما لبثت الوكالات العالمية أن راجعت مواقفها وأعلنت أن على البلدان أن تتعلم التعايش مع الجائحة
وانطلاقًا من هذا التصريح المثير للجدل تتناول هذه الدراسة بالتحليل المقارن القوانين والسياسات والحوكمة في ثلاثة بلدان هي باكستان والصين وروسيا الاتحادية، مركزة على ما تتصف به من قوة وفاعلية في الوقاية من كوفيد-19 والسيطرة عليه، وما طورته من سياسات جديدة في إطار السياسات الصحية العالمية، بهدف استخلاص الشروط التي تجعل التعايش مع الجائحة ممكنًا دون التفريط في الأمن الصحي المجتمعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهج التحليل المقارن للقانون والسياسات، إذ فحصت الأطر القانونية والسياسات الحكومية التي اعتمدتها باكستان والصين وروسيا في مواجهة جائحة كوفيد-19، مستندة إلى نتائج القانون والحوكمة في هذه البلدان وإلى السياسات المستحدثة التي صاغتها في ظل السياسات الصحية العالمية، وذلك بهدف تقويم مدى قوة هذه السياسات وفاعليتها في الوقاية من المرض والسيطرة على انتشاره
وتنطلق الدراسة من إشكالية التوتر القائم بين الحوكمة الصحية العالمية والخصوصيات المحلية، إذ تتباين خطابات البلدان وممارساتها فتتحدى أحيانًا وحدات الحوكمة العالمية في إدارة الأزمات الصحية، وقد عالج الباحثون هذه الإشكالية عبر مقارنة منظمة بين التجارب الثلاث تكشف مواطن القوة في كل تجربة وعلاقتها بالإطار الصحي العالمي العام، تمهيدًا لبناء خلاصات تصلح أساسًا لتوصيات سياساتية أوسع نطاقًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- يمثل نظام الحوكمة الصحية العالمية بناء مؤسسيًا معقدًا ومتطورًا، غير أن السياسات الصحية المحلية والإقليمية قد تتحداه أحيانًا بفعل تنوع الخطابات والممارسات بين البلدان المختلفة
2- أعادت جائحة كوفيد-19 في مستهلها تأكيد الحوكمة الصحية العالمية إطارًا للسيطرة على الجائحة والقضاء عليها، لكن الوكالات العالمية عادت فصرّحت بأن البلدان يجب أن تتعلم التعايش مع الجائحة، وهو تصريح وصفته الدراسة بالمثير للجدل
3- أظهرت التجارب الثلاث في روسيا وباكستان والصين سياسات قوية وفعالة في مواجهة الجائحة، صيغت وطُورت في إطار السياسات الصحية العالمية واستندت إلى أطر قانونية وحوكمة راسخة
4- خلصت الدراسة إلى أن التعايش مع الجائحة لا يعني التراخي في مواجهتها، بل يستلزم تدابير صحية قوية على كل مستوى من مستويات الحكم والإدارة الصحية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه الدراسة صانعي السياسات الصحية في أن بناء تشريعات وسياسات وطنية قوية ومتسقة مع الأطر الصحية العالمية يمثل شرطًا أساسيًا لإدارة الأوبئة الممتدة زمنيًا، إذ إن إعلان التعايش مع الجائحة لا يعفي الحكومات من مسؤولية التدخل الفعال، بل يضاعف الحاجة إلى منظومات يقظة قادرة على التكيف مع تطور الموجات الوبائية ومتحوراتها، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الصحة العامة واستمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية
كما تبرز المقارنة بين التجارب الثلاث أهمية التعلم المتبادل بين الدول في مجال الحوكمة الصحية، فلكل تجربة وطنية ما يميزها من أدوات قانونية وترتيبات مؤسسية يمكن استلهامها وتكييفها مع السياقات المحلية الأخرى، بما يعزز قدرة المجتمع الدولي على بناء استجابات أكثر تماسكًا في مواجهة الطوارئ الصحية العالمية المقبلة
وتفتح الدراسة الباب أمام مزيد من البحوث المقارنة التي تتوسع في عدد البلدان المدروسة وتعمق تحليل العلاقة بين التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية في زمن الأوبئة، بما يساعد على بناء أطر حوكمة صحية عالمية أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الخصوصيات المحلية دون التفريط في التنسيق الجماعي الذي تتطلبه الأزمات الصحية العابرة للحدود بطبيعتها
وخلاصة القول إن القانون والسياسات الوطنية الفعالة والحوكمة الصحية المتينة هي الجسر الذي تعبر عليه المجتمعات من الاستجابة الطارئة إلى التعايش الآمن مع الأوبئة، وإن تجارب باكستان والصين وروسيا تقدم نماذج قابلة للدراسة والمقارنة في هذا الميدان الحيوي من ميادين الصحة العامة العالمية
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpubh.2022.1035536/full
DOI: 10.3389/fpubh.2022.1035536
