يحتل اتخاذ القرار مكانة محورية في الحياة اليومية للإنسان، إذ تتشكل عبره خيارات تمس الدراسة والعمل والعلاقات والسلوك الصحي، وتزداد حساسية هذه العملية في مرحلة المراهقة التي تتسم بتسارع النمو العصبي والمعرفي والاجتماعي، فتتعايش فيها نزعات الاستكشاف والمجازفة مع قدرات ضبط آخذة في النضج، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فهم الآليات المعرفية والوجدانية التي تحكم جودة القرارات في هذه المرحلة العمرية وما بعدها
وتنطلق الدراسة من نظرية النظم المزدوجة التي تقرر أن اتخاذ القرار يستند إلى نظامين متكاملين، أولهما النظام الوجداني الذي يعالج الدوافع والانفعالات والمكاسب الفورية، وثانيهما الوظيفة التنفيذية التي تتولى التخطيط والضبط المعرفي وتقويم العواقب، ويفترض هذا الإطار النظري أن تفاوت نضج النظامين خلال المراهقة يفسر جانبًا مهمًا من اختلاف أنماط المجازفة بين المراهقين والبالغين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العلاقة بين عمليات اتخاذ القرار وعمليات الوظيفة التنفيذية لدى مجموعتين عمريتين، تضم الأولى مراهقين في بداية المرحلة بمتوسط عمر يبلغ 12.51 عامًا وبانحراف معياري قدره 0.61، حيث تكون العمليات الدافعة الوجدانية أكثر تطورًا، وتضم الثانية شبابًا بمتوسط عمر يبلغ 19.38 عامًا وبانحراف معياري قدره 1.97، حيث تكون عمليات الضبط المعرفي قد بلغت نضجها، وبلغ إجمالي المشاركين 140 مشاركًا في إسبانيا
واعتمدت الدراسة في قياس المتغيرات على أداتين مخبريتين معروفتين، هما مهمة أيوا للمقامرة لقياس القرارات المحفوفة بالمخاطر عبر مواقف غامضة تتطلب التعلم من النتائج المتراكمة، ومهمة ويسكونسن لفرز البطاقات لقياس الوظيفة التنفيذية من خلال قدرة المشارك على تغيير قواعد الفرز والاستجابة للتغذية الراجعة، ثم حُللت البيانات بمقارنة أداء المجموعتين وربط مؤشرات الأداء بعضها ببعض مع ضبط أثر العمر
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تحسن أداء المشاركين في مهمة أيوا للمقامرة عبر كتل المحاولات المتتابعة، بما يشير إلى أن التعلم من الخبرة والنتائج يحدث لدى الفئتين العمريتين كلتيهما
2- حصل المراهقون على متوسطات حسابية أدنى من الشباب في المهمة ذاتها، بما يعكس ميلًا أكبر لديهم نحو الخيارات المحفوفة بالمخاطر
3- ارتبطت الأخطاء المثابرة في مهمة ويسكونسن لفرز البطاقات ارتباطًا سالبًا بمتوسط الدرجة الصافية في الكتل الخطرة من مهمة أيوا للمقامرة بعد ضبط أثر العمر، فكلما زادت الأخطاء المثابرة انخفضت جودة القرار
4- كان المشاركون الأكثر ارتكابًا للأخطاء المثابرة أكثر احتمالًا لسحب البطاقات من المجموعات غير المواتية في الكتل الأخيرة من المهمة، بما يدل على صعوبة تعديل السلوك رغم تراكم الخسائر
5- يحل المراهقون والبالغون القرارات الغامضة بالمحاولة والخطأ، غير أن المراهقين أكثر ميلًا إلى اتخاذ قرارات خطرة دون انتباه كافٍ إلى عواقبها بعيدة المدى
6- يفسر نضج الوظيفة التنفيذية مع التقدم في العمر جزءًا من الفارق الملحوظ في اتخاذ القرار المحفوف بالمخاطر بين المراهقين والبالغين، وهو ما يدعم فرضية نظرية النظم المزدوجة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج أساسًا معرفيًا لفهم لماذا تبدو بعض قرارات المراهقين متهورة رغم سلامة قدراتهم العقلية العامة، فالمسألة ترتبط بتوازن النضج بين النظام الوجداني والوظيفة التنفيذية لا بغياب المعرفة، وهو فهم يوجه الأسرة والمدرسة نحو بناء بيئات تقل فيها الإغراءات الفورية وتتعزز فيها فرص التدرب على تقويم العواقب قبل الإقدام على الفعل
كما تفتح النتائج المجال أمام برامج تدخلية تستهدف تنمية الوظائف التنفيذية لدى المراهقين، كالتخطيط وضبط الاندفاع والمرونة المعرفية، وتوظيف مهام مخبرية مضبوطة في التقويم النفسي والتربوي للكشف المبكر عن الأنماط مرتفعة المجازفة، بما يدعم وقاية المراهقين من السلوكيات الخطرة في مجالات متعددة كالصحة والقيادة والاستهلاك
وخلاصة القول إن الدراسة أظهرت أن اتخاذ القرار المحفوف بالمخاطر يتشكل بتفاعل النظام الوجداني والوظيفة التنفيذية، وأن نضج الوظيفة التنفيذية مع العمر يفسر جزءًا مهمًا من تراجع المجازفة بين المراهقة وبداية الرشد، بما يجعل تنمية الضبط المعرفي مدخلًا واعدًا لدعم قرارات أكثر رشدًا لدى المراهقين








