أدت التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي التوليدي ومعالجة اللغة الطبيعية إلى ظهور النماذج اللغوية الكبيرة وروبوتات المحادثة مثل تشات جي بي تي التي وجدت تطبيقات عملية واسعة، ومن أبرز مجالات توظيفها مساعدة المبرمجين في الإجابة عن استفسارات البرمجة وتتبع الأخطاء واقتراح الحلول وتقديم الإرشاد في مهام تطوير البرمجيات، ورغم ما يعرف عن مشكلات دقة إجابات تشات جي بي تي فإن لغته الشاملة والسلسة ما تزال تجذب استخدامًا متكررًا، بما يشير إلى إمكان توظيفه في دعم المعلمين وقيامه بدور المعلم الافتراضي للطلاب
وتسعى هذه الدراسة إلى استكشاف هذه الإمكانية عبر تحليل شامل يقارن المحتوى الوجداني في إجابات تشات جي بي تي والإجابات البشرية عن أسئلة البرمجة، بهدف فهم كيفية مقارنة النبرة الوجدانية لإجابات الذكاء الاصطناعي بنبرة الإجابات البشرية، والكشف عن الفروق في التعبير عن المشاعر بين الطرفين وما يترتب عليها في السياقات التعليمية التي تؤثر فيها الفروق الوجدانية الدقيقة في التعلم والتواصل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الجوانب الوجدانية في إجابات تشات جي بي تي والإجابات البشرية ومقارنتها، وقد أجرت تحليلًا شاملًا شمل ألفي سؤال مأخوذة من منصة ستاك أوفرفلو المتخصصة في أسئلة البرمجة وإجاباتها، وقارنت المحتوى الوجداني في ردود النموذج اللغوي بردود المستخدمين البشر على الأسئلة نفسها، وركز التحليل على طيف من المشاعر كالغضب والاشمئزاز والفرح وغيرها، بما يسمح برصد مدى التباين في التعبير الوجداني بين الذكاء الاصطناعي والبشر في سياق تقني تعليمي تفاعلي
ثانيًا: أبرز النتائج
١- أظهر التحليل أن إجابات تشات جي بي تي أكثر إيجابية عمومًا مقارنة بالإجابات البشرية، فقد حافظ النموذج على نبرة موجبة متسقة عبر ردوده على أسئلة البرمجة المختلفة
٢- أبدت الإجابات البشرية في المقابل مشاعر مثل الغضب والاشمئزاز بدرجة أوضح، بما يعكس أثر الخبرة الشخصية والانفعالات الآنية في تفاعلات المبرمجين داخل منصات الأسئلة والأجوبة
٣- لوحظت فروق دالة في التعبيرات الوجدانية بين إجابات تشات جي بي تي والإجابات البشرية ولا سيما في مشاعر الغضب والاشمئزاز والفرح، وهي الفروق الأبرز بين الطرفين
٤- أظهرت الإجابات البشرية طيفًا وجدانيًا أوسع مقارنة بإجابات تشات جي بي تي، بما يشير إلى تنوع وجداني أكبر لدى البشر يقابله تجانس نسبي في نبرة النموذج اللغوي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز النتائج تباينًا وجدانيًا مميزًا بين إجابات تشات جي بي تي والإجابات البشرية، فالنموذج ذو نبرة إيجابية موحدة والبشر ذوو نطاق أوسع من المشاعر، ويؤكد هذا التباين الحاجة إلى بحوث إضافية حول دور المحتوى الوجداني في تفاعلات الذكاء الاصطناعي والبشر، وبخاصة في السياقات التعليمية التي تؤثر فيها الفروق الوجدانية الدقيقة في التعلم والتواصل، فإيجابية النموذج قد تدعم تجربة تعلم مشجعة لكن افتقاره إلى التنوع الوجداني البشري قد يحد من غنى التفاعل التعليمي الذي يقدمه
ويفتح هذا الموضوع نافذة على قضية أوسع تتعلق بطبيعة التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، فالمستخدمون لا يتعاملون مع إجابات النماذج اللغوية بوصفها معلومات محايدة فقط، بل يتأثرون بنبرتها وأسلوبها وما تحمله من إشارات وجدانية قد تعزز ثقتهم بها أو تنفرهم منها، وفي مجتمعات المبرمجين والممارسين التقنيين تتشابك المنفعة المعرفية مع الخبرة الوجدانية للسائل والمجيب، وهو ما يجعل دراسة البعد الوجداني مدخلًا مهمًا لفهم مستقبل منصات المعرفة التشاركية وأدوات الدعم الذكية وتطبيقاتها التعليمية المتسعة باستمرار، وهي قضية مرشحة لمزيد من الدراسات المقارنة عبر اللغات والثقافات والمجالات المعرفية المختلفة في المستقبل القريب
وخلاصة القول إن إجابات تشات جي بي تي عن أسئلة البرمجة تتسم بإيجابية مستقرة وطيف وجداني أضيق، بينما تتسم الإجابات البشرية بتنوع وجداني أوسع يضم مشاعر سلبية كالغضب والاشمئزاز، وهو تباين ينبغي مراعاته عند توظيف النماذج اللغوية في التعليم والدعم البرمجي وعند تصميم تفاعلات أكثر وعيًا بالبعد الوجداني








