تقف أسعار الفائدة في قلب العلاقة بين السياسة النقدية والنمو الاقتصادي، فهي تؤثر في قرارات الادخار والاستثمار والاقتراض، وتتفاعل مع التضخم لتشكل البيئة الكلية التي يتحرك فيها النشاط الاقتصادي، وفي اقتصادات جنوب شرق آسيا النامية بسرعة تكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة، إذ تسعى هذه الاقتصادات إلى تحقيق نمو مرتفع ومستقر في مواجهة صدمات عالمية متكررة من الأزمات المالية إلى الجوائح، وتحتاج إلى فهم دقيق للتفاعل الديناميكي بين أسعار الفائدة والتضخم والنمو عبر الأجلين القصير والطويل
وتفحص هذه الدراسة التفاعل الديناميكي بين أسعار الفائدة والتضخم ونمو الناتج المحلي الإجمالي في اقتصادات جنوب شرق آسيا، وتسعى إلى الكشف عن العلاقات طويلة الأجل بين سعر فائدة الإيداع وسعر فائدة الإقراض ومؤشر أسعار المستهلك ونمو الناتج، وتحديد اتجاه أثر كل منها في الأجلين الطويل والقصير، وصولًا إلى رؤى عملية لصانعي السياسات النقدية في المنطقة في سعيهم إلى تعزيز النمو والاستقرار معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
غطت الدراسة الفترة من عام 2000 إلى عام 2023، واعتمدت إطار الانحدار الذاتي ذي الفجوات الموزعة للبيانات اللوحية مع نموذج المتوسط المجمع للمجموعات، وهو إطار يتيح تقدير العلاقات طويلة الأجل المشتركة بين الدول مع السماح باختلاف ديناميكيات الأجل القصير من دولة إلى أخرى، وفحصت الدراسة في هذا الإطار سلوك متغيرات سعر فائدة الإيداع وسعر فائدة الإقراض ومؤشر أسعار المستهلك ونمو الناتج المحلي الإجمالي، كما تتبعت الاتجاهات التاريخية للناتج في المنطقة وقابليتها للصدمات العالمية وقدمت توقعات لمسار التعافي اللاحق
ثانيًا: أبرز النتائج
١- أكدت النتائج وجود علاقة قوية طويلة الأجل بين سعر فائدة الإيداع وسعر فائدة الإقراض ومؤشر أسعار المستهلك ونمو الناتج المحلي الإجمالي في اقتصادات المنطقة، بما يثبت ترابط هذه المتغيرات في توازن طويل الأمد
٢- عززت أسعار فائدة الإيداع المرتفعة التوسع الاقتصادي بثبات عبر تشجيع الادخار والاستثمار، فكلما ارتفع العائد على المدخرات ازدادت الموارد المتاحة لتمويل الاستثمار المنتج
٣- دعمت أسعار فائدة الإقراض النمو في الأجل الطويل لكنها حدت من النشاط في الأجل القصير بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض، فأثرها مزدوج يختلف باختلاف الأفق الزمني
٤- أثر التضخم سلبًا في النمو طويل الأجل عبر تقليص القوة الشرائية، بينما عزز الطلب في الأجل القصير، بما يعكس التوتر المعروف بين تحفيز الطلب الآني وحماية الاستقرار السعري
٥- أبرزت اتجاهات الناتج التاريخية قابلية المنطقة للتأثر بالصدمات العالمية كالأزمة المالية في الفترة من 2008 إلى 2010 وجائحة كورونا عام 2020، بينما أشارت التوقعات إلى تعاف تدريجي من عام 2021 إلى عام 2025
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشدد الدراسة على أهمية سياسات نقدية متوازنة تعزز النمو والاستقرار في جنوب شرق آسيا، فرفع أسعار فائدة الإيداع قد يخدم الادخار والاستثمار لكن الإفراط في أسعار الإقراض يكبح النشاط القصير الأجل، واحتواء التضخم يحمي النمو الطويل وإن كان انخفاضه المؤقت قد يهدئ الطلب، وتقدم الدراسة لصانعي السياسات في المنطقة رؤى عملية لمعايرة أدواتهم النقدية في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية بما يحفظ زخم النمو ويحد من تقلباته
وتتقاطع هذه النتائج مع تجارب الاقتصادات الناشئة عامة التي تواجه معضلة مزدوجة تتمثل في تحفيز النمو الكامن وادخار الموارد لتمويله من جهة، وضبط التضخم وحماية الاستقرار النقدي من جهة أخرى، إذ قد يؤدي التشدد النقدي المفرط إلى خنق الاستثمار والنشاط، بينما قد يفضي التيسير المفرط إلى ضغوط تضخمية تقوض مكاسب النمو ذاتها، ومن ثم يصبح التدرج والتوازن في استخدام أدوات الفائدة خيارًا استراتيجيًا للبنوك المركزية في المنطقة والاقتصادات المشابهة لها
وخلاصة القول إن أسعار الفائدة والتضخم والنمو في جنوب شرق آسيا منظومة مترابطة طويلة الأجل، تؤدي فيها أسعار الإيداع دور المحفز للادخار والاستثمار وأسعار الإقراض دورًا مزدوج الاتجاه عبر الزمن، ويبقى التضخم عبئًا على النمو المستدام، ومن ثم فإن السياسة النقدية المتوازنة هي مفتاح استقرار المنطقة ونموها
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/8/244
DOI: 10.3390/economies13080244
