تزايد الاهتمام خلال العقد الماضي بالدراسات التجريبية للسياسة النقدية، ولا سيما بعد جائحة كورونا وما رافقها من موجة تضخم اجتاحت اقتصادات العالم، إذ واجهت الأطر التقليدية التي تعتمدها البنوك المركزية للتنبؤ بالتضخم تحديات جوهرية دفعت الباحثين إلى إعادة تحليل آلية انتقال السياسة النقدية وقنوات تأثيرها في النشاط الاقتصادي والأسعار
وتندرج هذه الدراسة ضمن موجة بحثية عالمية أعادت مساءلة الافتراضات التقليدية حول سرعة انتقال قرارات أسعار الفائدة إلى الائتمان والطلب الكلي والأسعار، خاصة بعد أن أظهرت أزمة التضخم الأخيرة أن القنوات النقدية قد تضعف أو تتغير بنيتها في أوقات الاضطراب، وهو ما يستدعي أدلة من سياقات متنوعة لا تقتصر على الاقتصادات المتقدمة وحدها
وتتخذ الدراسة من تونس حالة لاقتصاد ناشئ صغير ومفتوح معرض للصدمات الخارجية، عاش تحولات سياسية عميقة منذ ثورته ثم واجه تداعيات الجائحة، وتميزت الفترة المدروسة بتباطؤ النمو وارتفاع التضخم والبطالة، وهو ما يجعل فهم دور السلطة النقدية في إدارة السياسة النقدية مسألة ذات أهمية علمية وعملية بالغة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الدور الذي أدته السلطة النقدية في إدارة السياسة النقدية التونسية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2024، بالاستناد إلى بيانات السلاسل الزمنية للاقتصاد التونسي عبر ربع قرن تقريبًا شمل ما قبل الثورة وما بعدها وفترة الجائحة وما تلاها، وأظهرت الدراسة كيف يمكن توظيف نموذج الانحدار الذاتي المتجه المقيد بقيود طويلة الأجل تبررها النظرية الاقتصادية توظيفًا مفيدًا في تحليل السياسة النقدية، وتناول التحليل آثار سعر فائدة سوق النقد والصدمات الأخرى، والعلاقة بين الأسعار وسعر الصرف الفعلي الاسمي، والعلاقة بين التضخم وفجوة الناتج
ثانيًا: أبرز النتائج
1- بينت الدراسة أن نموذج الانحدار الذاتي المتجه ذا القيود طويلة الأجل المستندة إلى النظرية الاقتصادية أداة صالحة ومفيدة لتحليل السياسة النقدية في الاقتصادات الناشئة الصغيرة المفتوحة
2- تناول التحليل كيفية انتقال آثار سعر فائدة سوق النقد والصدمات الأخرى عبر قنوات السياسة النقدية إلى بقية المتغيرات الاقتصادية الكلية
3- فحصت الدراسة العلاقة المتبادلة بين الأسعار وسعر الصرف الفعلي الاسمي بوصفها قناة رئيسة لانتقال الصدمات الخارجية إلى التضخم المحلي
4- حللت الدراسة العلاقة بين التضخم وفجوة الناتج بما يساعد على فهم ديناميات التضخم في ظل تباطؤ النمو وارتفاع البطالة
5- أبرزت الدراسة أن الفترة بين عامي 2000 و2024 شهدت تباطؤًا في النمو وارتفاعًا في معدلات التضخم والبطالة، بما ضاعف صعوبة المفاضلات التي تواجه السلطة النقدية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة الدراسة في تقديمها إطارًا تحليليًا قابلًا للتطبيق في اقتصادات نامية مرت بتحولات سياسية وصدمات خارجية متعاقبة، إذ يساعد فهم آلية الانتقال البنوك المركزية على معايرة أدواتها بدقة أكبر وتحسين قدرتها على التنبؤ بالتضخم وإدارة توقعاته، كما تفيد النتائج الباحثين في السياسة النقدية بتسليطها الضوء على خصوصية القنوات النقدية في الاقتصادات الطرفية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، وعلى أهمية القيود النظرية طويلة الأجل في تفسير ديناميات الأسعار والصرف والناتج
ومن الناحية التطبيقية، تفيد هذه النتائج البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة الصغيرة المفتوحة عند معايرة أسعار الفائدة وإدارة السيولة، إذ تبرز حساسية التضخم لقناة سعر الصرف وللصدمات الخارجية، كما تفيد المستثمرين والمتعاملين في الأسواق المالية بفهم أعمق لكيفية استجابة الأسعار والناتج لقرارات السلطة النقدية في أزمنة الاضطراب السياسي والاقتصادي، وتمنح الباحثين نموذجًا تحليليًا يمكن نقله إلى حالات مشابهة شهدت تحولات سياسية وصدمات متعاقبة
وخلاصة القول إن إعادة فحص آلية انتقال السياسة النقدية في ضوء التجربة التونسية تؤكد أن فعالية السياسة النقدية ليست معطى ثابتًا، بل تتشكل بتفاعل الصدمات الخارجية والتحولات السياسية والهياكل المؤسسية، وأن النماذج القياسية المقيدة بالنظرية الاقتصادية تظل أداة قيمة لفهم هذا التفاعل المعقد، وأن تجارب الدول الناشئة المفتوحة على العالم تظل مصدرًا خصبًا لاختبار نظريات السياسة النقدية وتحسين أدواتها التحليلية، إذ يقيس الباحثون من خلالها تطور هذه القنوات مع تغير الأطر المؤسسية وأدوات التواصل لدى البنوك المركزية
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/10/286
DOI: 10.3390/economies13100286
