يحتل الاستثمار في البحث والتطوير موقعًا محوريًا في أدبيات النمو الاقتصادي، إذ يُنظر إليه بوصفه المحرك الأبرز لبناء القدرات الابتكارية ورفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصادات على المدى الطويل، غير أن أثره الفعلي يظل رهينًا ببيئة مؤسسية وسياسات عامة متماسكة تستطيع تحويل الإنفاق البحثي إلى مخرجات اقتصادية ملموسة، وتزداد هذه القضية إلحاحًا في الاقتصادات الناشئة التي تواجه تحديات هيكلية في منظومات الابتكار لديها
وينطلق الاهتمام بهذا الموضوع من ملاحظة أن الفجوة بين الدول لا تُقاس اليوم بالموارد الطبيعية وحدها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها في تطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية، وهو ما يجعل قياس عائد الإنفاق البحثي بأساليب قياسية دقيقة ضرورة علمية وعملية في آن واحد لدى الباحثين وصناع السياسات الاقتصادية
وتتخذ بنما في هذه الدراسة حالة تطبيقية لاقتصاد ناشئ يسعى إلى تنويع قاعدته الإنتاجية وتقوية منظومته الوطنية للعلم والتقنية والابتكار، إذ ما تزال الأدلة التجريبية حول عائد الاستثمار البحثي في مثل هذه الاقتصادات محدودة في أدبيات التنمية، ومن ثم تكتسب الدراسة أهميتها من تقديمها شواهد قياسية موثقة تساعد صناع السياسات على ترتيب أولويات الإنفاق العام بين البحث والتطوير والتعليم والبنية التحتية وغيرها من المجالات المتنافسة على الموارد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أثر الاستثمار في البحث والتطوير في النمو الاقتصادي في بنما، واعتمدت منهجًا قياسيًا متعدد المتغيرات جمع بين التنظيم بطريقة الشبكة المرنة وتقدير بيانات اللوحات ذات الآثار الثابتة، وضمت المتغيرات التفسيرية الرئيسة الإنفاق العام على التعليم والتضخم والاستثمار في البنية التحتية والنمو الديموغرافي والصادرات، ولضمان متانة النتائج طبقت الدراسة اختبار ديكي وفولر الموسع لفحص استقرارية السلاسل الزمنية، وأسلوب إعادة المعاينة غير المعلمي بألف تكرار، وبطارية من الاختبارات التشخيصية شملت جذر متوسط مربعات الخطأ ومعامل التحديد المعدل وإحصائية دوربن وواتسون واختبار وايت، كما وظفت الدراسة إسقاطات قائمة على السيناريوهات لاستشراف آثار الزيادات التدريجية والمستدامة في الاستثمار البحثي
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج أن للاستثمار في البحث والتطوير أثرًا إيجابيًا ذا دلالة إحصائية في نمو الناتج المحلي الإجمالي في بنما
2- تبين أن الإنفاق العام على التعليم هو الآخر ذو أثر إيجابي ودال إحصائيًا في نمو الناتج المحلي الإجمالي
3- ظهر للتضخم أثر سلبي في النمو الاقتصادي، بما يعكس كلفة عدم الاستقرار النقدي على الأداء الاقتصادي الكلي
4- لم تُظهر الصادرات أثرًا ذا دلالة إحصائية في النمو الاقتصادي ضمن النموذج المقدر في هذه الدراسة
5- أشارت إسقاطات السيناريوهات إلى أن الزيادات التدريجية والمستدامة في الاستثمار في البحث والتطوير، إذا اقترنت بتنسيق مؤسسي أقوى وقدرة استيعابية أعلى، يمكن أن تعزز إنتاجية بنما ونتائج الابتكار فيها على المدى الطويل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد دلالات الدراسة أن تحسين تمويل البحث والتطوير وحده لا يكفي لتحقيق العائد المنشود، إذ لا بد من حوكمة فعالة وسياسات متماسكة للعلم والتقنية والابتكار تربط الجامعات ومراكز البحث بالقطاع الإنتاجي، وتسهم الدراسة بتقديم أدلة تجريبية إلى مجال ما يزال قليل الاستكشاف في أدبيات التنمية، وتمنح صناع السياسات رؤى إستراتيجية لبناء منظومات ابتكار أكثر تكاملًا واستدامة في الاقتصادات الناشئة، كما تلفت الانتباه إلى أن الاستثمار المصاحب في التعليم يضاعف جدوى الإنفاق البحثي ويعزز قدرة الاقتصاد على استيعاب المعرفة الجديدة وتوظيفها
ومن زاوية تطبيقية، تمنح النتائج مخططي السياسات الاقتصادية في الاقتصادات الناشئة مبررًا قياسيًا لإعادة النظر في هيكل الإنفاق العام بحيث يحتل البحث والتطوير والتعليم موقعًا متقدمًا فيه، كما تحذر من أن إهمال استقرار الأسعار قد يبدد جانبًا من عوائد هذا الإنفاق، وتفتح في الوقت نفسه أفقًا لبحوث لاحقة تفحص قنوات انتقال أثر الإنفاق البحثي إلى الإنتاجية القطاعية ومستويات التشغيل والتنافسية الخارجية في حالات دول نامية أخرى
وخلاصة القول إن تجربة بنما تقدم درسًا عامًا مفاده أن البحث والتطوير استثمار تنموي طويل الأجل لا يؤتي ثماره إلا ضمن منظومة متكاملة من السياسات والحوكمة والقدرات الاستيعابية، وأن تضافر الإنفاق البحثي مع الإنفاق التعليمي واستقرار الأسعار يشكل مدخلًا عمليًا لتعزيز النمو المستدام في الاقتصادات الناشئة
