منذ تطبيقها في يوليو 2021 حظيت سياسة التخفيف المزدوج في الصين باهتمام اجتماعي واسع، وهي سياسة تستهدف تخفيف العبء الدراسي المفرط عن طلاب المرحلتين الابتدائية والمتوسطة والحد من الإفراط في الدروس الخصوصية خارج المدرسة، وتهدف إلى تهيئة بيئة سليمة للتعليم خارج المنهج، غير أن المرحلة التمهيدية التي شح فيها البيانات والحالات جعلت تقويم الدروس الخصوصية وآلية تأثيرها قبل تطبيق السياسة مسألة ذات أهمية نظرية وعملية معًا
وتنبع إشكالية الدراسة من الانتشار الواسع للدروس الخصوصية خارج المنهج وما يرتبط بها من أعباء مالية ونفسية على الطلاب وأسرهم، ومن الحاجة إلى فهم دقيق لعلاقتها بالتحصيل الدراسي وللدور الذي تؤديه المرونة النفسية في هذه العلاقة، حتى تُبنى السياسات التعليمية المتعلقة بها على أدلة تجريبية راسخة لا على تقديرات انطباعية
وتزداد أهمية هذا التقويم السابق للسياسة حين يُنظر إلى الجدل المجتمعي الواسع حول جدوى الدروس الخصوصية وكلفتها، إذ تتباين المواقف بين من يعدها دعمًا ضروريًا للتحصيل ومن يراها عبئًا يعمق الفروق ويضغط على الطلاب، ولا يحسم مثل هذا الجدل إلا دليل ميداني يفحص الآثار والآليات بمنهجية محكمة، وهو ما سعت إليه هذه الدراسة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على بيانات المسح الصيني التتبعي للتعليم بين عامي 2014 و2015، واستخدمت أسلوب مطابقة درجة الميل للحد من تحيز الاختيار عند مقارنة الطلاب المتلقين للدروس الخصوصية بغيرهم، كما وظفت تحليل الأثر الوسيط لاختبار الدور الذي تؤديه المرونة النفسية في العلاقة بين الدروس الخصوصية والتحصيل الدراسي، وفحصت الفروق بين كثافات الدروس المرتفعة والمنخفضة وأثر ما يسمى منطقة البدء المثلى في نتائج الطلاب
ويمنح هذا التصميم الدراسة قدرة على الاقتراب من الاستدلال السببي في بيانات مسحية واسعة، إذ توازن مطابقة درجة الميل بين المجموعات في الخصائص القابلة للملاحظة، بينما يكشف تحليل الوساطة عن الحلقة النفسية التي يمر عبرها أثر الدروس الخصوصية إلى التحصيل، فلا يقتصر التقويم على سؤال هل تفيد الدروس الخصوصية، بل يمتد إلى كيف تفيد ولمن وبأي كثافة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- ارتبطت الدروس الخصوصية خارج المنهج ارتباطًا إيجابيًا بالتحصيل الدراسي للطلاب
2- لم تظهر فروق بين كثافة الدروس الخصوصية المرتفعة والمنخفضة في تحسين التحصيل الدراسي، وأظهر التحليل بحسب المجموعات أن أثر الدروس الخصوصية يتأثر بمنطقة البدء المثلى
3- تمثل المرونة النفسية متغيرًا وسيطًا في علاقة الدروس الخصوصية بالتحصيل الدراسي، إذ تعمل بوصفها صمام تحويل ينقل أثر الدروس وينظمه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
بناء على هذه النتائج تقترح الدراسة أولًا التأكيد على أثر خدمات ما بعد اليوم الدراسي في تعزيز التحصيل الدراسي للطلاب، وتحويل وظائف الدروس الخصوصية الخارجية نحو هذه الخدمات المدرسية المنظمة، بما يحفظ للطلاب فرص الدعم التعليمي داخل إطار مؤسسي منضبط يخفف الأعباء عن الأسر ويقلص الفروق بين الطلاب في الوصول إلى الدعم
وتقترح الدراسة ثانيًا الانتباه إلى الأثر العكسي المحتمل لكثافة الدروس الخصوصية المرتفعة في صحة الطلاب الجسدية والنفسية وفي تحصيلهم الدراسي، واستكشاف منطقة البدء المثلى الفعالة للدروس الخصوصية لكل طالب على الصعيد العملي، فليست الزيادة في ساعات الدروس ضمانًا لتحسن النتائج، بل قد تنقلب إلى عبء يستنزف الطالب حين تتجاوز حدًا معينًا
وتقترح الدراسة أخيرًا تنمية المرونة النفسية لدى الطلاب بنقل محور تحسين جودة التعليم من مجرد تكديس المعارف التخصصية إلى تطوير الصحة النفسية للطلاب، وهو تحول يجعل بناء شخصية الطالب وقدرته على التكيف والصمود في مواجهة الضغوط الدراسية جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية لا نشاطًا هامشيًا مكملًا لها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم تقويمًا تجريبيًا لآلية تأثير الدروس الخصوصية خارج المنهج قبل تطبيق سياسة التخفيف المزدوج، فتبين أنها ترتبط إيجابيًا بالتحصيل الدراسي دون أن تتفوق كثافتها المرتفعة على المنخفضة، وأن المرونة النفسية صمام التحويل في هذا الأثر، بما يزود صناع السياسة التعليمية بأساس علمي لتصميم خدمات دعم مدرسية متوازنة تراعي تحصيل الطلاب وصحتهم النفسية معًا
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/13/3/217
DOI: 10.3390/bs13030217
