تسعى هذه الدراسة المنشورة في مجلة العلوم السلوكية إلى توضيح أن الضغوط ليست تجربة سلبية دائمًا، فقد تترتب عليها نتائج إيجابية وأخرى سلبية، فالضغط الإيجابي يصف الجانب المحفز من الضغوط بينما يصف الضغط السلبي جانبها المنهك، وما يزال البحث في الضغط الإيجابي في مراحله الأولى قياسًا بنظيره السلبي، إذ لا تتجاوز المواد المفهرسة عنه في مجموعة شبكة العلوم الأساسية 306 مواد تقريبًا مقابل 184714 مادة عن الضغط السلبي
ولم تتناول دراسات كثيرة العلاقة بين الحضور أثناء المرض والضغوط والسلوك الابتكاري، فما تزال الآلية الكامنة وراء هذا المسار غير مفهومة فهمًا كاملًا، ومن هنا تختبر الدراسة نموذجًا يربط بين نوعي الضغوط والسلوك الابتكاري لدى العاملين في الرعاية الصحية الطبية عبر وساطة الحضور أثناء المرض، مع اختبار الدور المعدِّل الذي يؤديه دعم المشرف في حلقتي هذا المسار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجري مسح ميداني شمل 350 من العاملين في الرعاية الصحية الطبية في باكستان، وحُللت البيانات ببرنامجي إس بي إس إس وأموس، وفحصت الدراسة الآثار المشتركة للمتغيرات مجتمعة، فاختبرت أثر الضغط الإيجابي والضغط السلبي في الحضور أثناء المرض وفي السلوك الابتكاري، وأثر الحضور أثناء المرض في السلوك الابتكاري، والدور المعدِّل لدعم المشرف في العلاقة بين الضغوط والحضور أثناء المرض وبين الحضور أثناء المرض والسلوك الابتكاري
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من طبيعة بيئة الرعاية الصحية التي تجمع بين أعباء عمل مرتفعة ومسؤوليات إنسانية جسيمة تجعل العاملين فيها عرضة لأشكال متباينة من الضغوط، ومن ندرة الدراسات التي فحصت كيف يتحول الضغط عبر الحضور أثناء المرض إلى سلوك ابتكاري أو يعوقه، ولا سيما حين يتدخل دعم المشرف بوصفه موردًا تنظيميًا يخفف آثار الضغوط أو يعيد توجيهها
ثانيًا: أبرز النتائج
1- لوحظ أثر وسيط للحضور أثناء المرض في العلاقة بين الضغوط بنوعيها الإيجابي والسلبي والسلوك الابتكاري لدى العاملين في الرعاية الصحية الطبية
2- يعدِّل دعم المشرف العلاقة بين الضغوط والحضور أثناء المرض، فيتغير أثر الضغوط في حضور الموظفين إلى أعمالهم رغم مرضهم بحسب مستوى الدعم الذي يتلقونه من مشرفيهم
3- يعدِّل دعم المشرف كذلك العلاقة بين الحضور أثناء المرض والسلوك الابتكاري، فلا يتحول الحضور رغم المرض إلى سلوك ابتكاري بدرجة واحدة في جميع بيئات العمل
4- أثبت تحليل المتغيرات علاقات قوية مدعومة تجريبيًا بين السلوك الابتكاري للعاملين في الرعاية الصحية الطبية وبعدي الضغوط الإيجابي والسلبي معًا
5- يقدم النموذج تفسيرًا افتراضيًا بديلًا يوضح كيف يتأثر سلوك العمل الابتكاري لدى الموظفين بالضغط الإيجابي والضغط السلبي في ظل وجود دعم المشرف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية مهمة لإدارات المنشآت الصحية، إذ تبين أن التعامل مع ضغوط العاملين لا ينبغي أن يقتصر على خفض الضغط السلبي، بل يمتد إلى توظيف الضغط الإيجابي بوصفه طاقة محفزة يمكن أن تثمر سلوكًا ابتكاريًا إذا أُحسنت إدارتها، كما تبرز أن حضور العاملين رغم مرضهم ليس ظاهرة إدارية بسيطة بل حلقة وسيطة تنقل أثر الضغوط إلى الأداء الابتكاري، وهو ما يستدعي سياسات واعية تجاه الإجازات المرضية وأعباء العمل
ويبرز دور المشرفين محورًا تطبيقيًا آخر، فدعم المشرف يعدِّل حلقتي المسار معًا، ومن ثم فإن تدريب المشرفين في المنشآت الصحية على الدعم النفسي والمهني لمرؤوسيهم قد يساعد العاملين على تحويل خبرات الضغط إلى ممارسات ابتكارية فعالة في عملهم مستقبلًا، كما تفتح الدراسة الباب أمام بحوث لاحقة تختبر هذا النموذج في مهن وسياقات تنظيمية أخرى وتتعمق في فهم الضغط الإيجابي الذي ما يزال مجالًا بحثيًا ناشئًا
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا على أن للضغوط وجهين إيجابيًا وسلبيًا يرتبطان بالسلوك الابتكاري عبر وساطة الحضور أثناء المرض وبشرط دعم المشرف، وتدعو إدارات الرعاية الصحية إلى إدارة ضغوط عامليها بوصفها موردًا يمكن توجيهه نحو الابتكار لا عبئًا يُستنزف عنده العاملون فحسب








