تبحث هذه الدراسة في آثار موارد الركود التقديرية في استثمار الشركة في البحث والتطوير، فموارد الركود هي الموارد الفائضة المتاحة للإدارة تتصرف فيها تقديريًا، ويفترض عادة أن توفرها يمنح الشركة حرية أكبر للمخاطرة والاستثمار في الابتكار، غير أن هذا الأثر قد لا يكون آليًا بل مشروطًا بمن يدير تلك الموارد
وتركز الدراسة تحديدًا على ما إذا كانت السمات النفسية للرئيس التنفيذي تؤدي دورًا في العلاقة بين الركود التقديري والاستثمار في البحث والتطوير، وكيفية أدائها لهذا الدور، مجمعة بذلك بين منظور الموارد ومنظور الإدارة العليا في تفسير قرار استراتيجي محوري
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استخدمت الدراسة عينة لوحية من شركات التصنيع الأمريكية خلال الفترة من عام ألفين وستة إلى عام ألفين وعشرة، وفحصت العلاقة بين مستوى الركود التقديري وكثافة الاستثمار في البحث والتطوير، ثم اختبرت كيف يتغير هذا الأثر تبعًا لقوة التركيز على الترقية لدى الرئيس التنفيذي وإدراكه لوجود فجوة سلبية قابلة للمعالجة في مستوى الإنجاز المستهدف
ويعكس هذا التصميم قناعة بأن قرارات الاستثمار في البحث والتطوير لا تصنعها وفرة الموارد وحدها، بل تصنعها أيضًا كيفية إدراك صانع القرار لتلك الوفرة وللمسافة بين الأداء الفعلي والتطلعات المستهدفة
وينتمي هذا الموضوع إلى جدل قديم حول طبيعة موارد الركود في المنظمات، ففريق يراها هدرًا يخفي ضعف الكفاءة ويغذي التوسع غير المنضبط، وفريق آخر يراها وسادة أمان وحرية مناورة تتيح للشركة التجريب والابتكار دون تهديد بقائها، وقد دارت كثير من الدراسات حول وجود الموارد من عدمه، بينما قل الاهتمام بالشرط النفسي الذي يحول وجودها إلى قرارات استثمارية جريئة، وهو الشرط الذي تضعه هذه الدراسة في قلب التحليل
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى نتائج مترابطة يمكن عرضها فيما يأتي
1- تؤدي موارد الركود التقديرية إلى زيادة كثافة الاستثمار في البحث والتطوير، فحين تتوفر للشركة موارد فائضة قابلة للتصرف التقديري ترتفع جرأتها على تمويل أنشطة الابتكار طويلة الأمد
2- يصبح هذا الأثر الإيجابي أقوى حين يتمتع الرؤساء التنفيذيون بتركيز قوي على الترقية، أي حين يوجهون اهتمامهم نحو النمو وتحقيق المكاسب والتقدم لا نحو تجنب الخسائر فحسب
3- يتعزز الأثر ذاته حين يدرك الرئيس التنفيذي وجود فجوة سلبية قابلة للمعالجة في مستوى الإنجاز، فيتحول القصور المدرك عن الطموح إلى دافع إضافي يوجه موارد الركود نحو الاستثمار في البحث والتطوير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج أن مستوى الركود التقديري وسمات الرئيس التنفيذي من تركيز على الترقية ومستوى طموح يشكلان معًا قرارات الاستثمار في البحث والتطوير، فالموارد شرط ممكن والدافعية النفسية للقيادة هي التي تحركها نحو الابتكار
ويقدم إدخال السمات النفسية للرؤساء التنفيذيين نظرة أكثر شمولًا إلى الظروف التي تصبح فيها موارد الركود التقديرية مهمة للقرارات الإستراتيجية للشركة، وهو ما يفيد مجالس الإدارة عند اختيار القادة وتقويم توجهاتهم الاستثمارية
وعلى مستوى الممارسة يستطيع المستثمرون والمقرضون قراءة هذه النتائج قراءة تشخيصية، فالشركة ذات الموارد الوفيرة وقائد ذي توجه توسيعي طموح مرشحة غالبًا لتحويل فائضها إلى مشروعات بحثية ذات قيمة مستقبلية، أما الشركة ذات الموارد المماثلة وقائد متحفظ فقد تجمد فائضها أو توجهه إلى استخدامات دفاعية، ومن ثم يصبح تقييم القيادة جزءًا لا يتجزأ من تقييم الجدوى الاستثمارية لأي شركة تعلن خططًا للتوسع في البحث والتطوير
ويتقاطع هذا البحث مع نقاش أوسع حول العلاقة بين الحكم الرشيد وحرية الإدارة، فمنح الرؤساء التنفيذيين موارد تقديرية واسعة سلاح ذو حدين، قد يطلق طاقات الابتكار والنمو، وقد يفتح بابًا لإنفاق يخدم تفضيلات الإدارة أكثر مما يخدم المساهمين، ويقدم منظور السمات النفسية مفتاحًا للتمييز بين الحالين، إذ لا يتوقف الأمر على حجم الحرية الممنوحة فحسب بل على التوجه النفسي لمن يمارسها وطموحه المهني، وهي رؤية تنسجم مع اتجاه متصاعد في بحوث الإدارة العليا يعيد الاعتبار لشخصية القائد في تفسير مصائر الشركات
وخلاصة القول إن وفرة الموارد لا تستثمر نفسها بنفسها، بل تحتاج إلى قائد يتطلع إلى الترقية والتقدم ويدرك فجوة بين واقعه وطموحه، فحين تجتمع الوفرة والدافعية يتحول الركود التقديري إلى وقود حقيقي للاستثمار في البحث والتطوير والابتكار
