تتطلب إدارة أنشطة استخدام الأراضي بصورة مستدامة في المناطق الجبلية معالجة الآثار المترابطة للضغوط الجيوفيزيائية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجيوسياسية، وتتجلى هذه التعقيدات بوضوح في شق الطرق عبر آسيا الجبلية، حيث يؤدي قصور التخطيط وعدم اكتمال تقييمات الأثر البيئي وفجوات الحوكمة إلى بصمات خفية طويلة الأمد، أي نتائج غير مقصودة دقيقة في مظهرها لكنها كبيرة في أثرها، تدوم طويلًا بعد اكتمال مشاريع البنية التحتية التي أنتجتها
وتستعرض هذه المقالة المنظورية دروسًا من حالات محددة في يونان بالصين ومبادرة الحزام والطريق في آسيا الوسطى وكارثة كيدارناث في الهند، لتسليط الضوء على مخاطر تطوير البنية التحتية المتسارع دون تخطيط شامل طويل الأمد، وفحص الجذور الكامنة وراء هذه المشكلات، بما يفيد مطوري المشاريع وصانعي السياسات في الموازنة بين أولويات الاقتصاد والبيئة والمجتمع
وتتميز المناطق الجبلية العالية بهشاشة مزدوجة، فمنحدراتها شديدة الانحدار وأنظمتها البيئية بطيئة التعافي ومجتمعاتها متناثرة تعتمد على وصلات برية محدودة، ولذلك فإن أي خطأ في تصميم الطريق أو موقعه لا يبقى حدثًا موضعيًا عابرًا بل يتحول إلى سلسلة آثار تتدحرج من الانهيارات والرواسب إلى تعطل سبل العيش وفقدان الثقة بخطط التنمية ذاتها، وهو ما يجعل شق الطرق الجبلية مختبرًا كاشفًا لعلاقة التنمية بالاستدامة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المقالة إلى إبراز مخاطر التنمية المتسارعة للبنية التحتية في المناطق الجبلية الهشة دون أطر تخطيط شاملة، واستكشاف القضايا الكامنة وراء الآثار غير المقصودة لشق الطرق، واعتمدت على دراسات حالة نوعية محددة شملت شق الطرق في شمال غرب يونان بالصين وفي آسيا الوسطى ضمن مبادرة الحزام والطريق، إضافة إلى تحسينات الطرق المؤدية إلى معبد كيدارناث النائي في جبال الهملايا وما ارتبط بها من كارثة فيضان ورواسب كبرى عام 2013، وقارنت المقالة بين مسارات تحسين الربط والحركة والازدهار الاقتصادي القصير الأمد وبين الكلف البيئية والاجتماعية التي قد تلغي المنافع المقصودة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- حسّنت الطرق الجبلية الربط والتنقل والازدهار الاقتصادي في الأمد القصير، لكنها كثيرًا ما فرضت كلفًا بيئية واجتماعية تعادل منافعها المقصودة أو تتجاوزها
2- تسببت الطرق سيئة التصميم في جبال شمال غرب يونان وآسيا الوسطى في انهيارات أرضية وترسبات وتفتت للموائل الطبيعية واضطرابات في سبل عيش المجتمعات المحلية وممارساتها الثقافية
3- أدت تحسينات الطريق المؤدي إلى معبد كيدارناث في المقابل إلى اكتظاظ بالحجاج الدينيين قُتل كثير منهم وتقطعت بهم السبل خلال كارثة فيضان ورواسب كبرى عام 2013
4- تؤكد الحالات مجتمعة الحاجة إلى بحوث متعددة التخصصات ومشاركة مجتمعية وأطر تنظيمية تدمج الحد من مخاطر الكوارث والمرونة المناخية والاستدامة لمصلحة أصحاب المصلحة جميعًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه الدروس على دلالات مباشرة لسياسات البنية التحتية في المناطق الجبلية، إذ ينبغي ألا تُقاس جدوى الطريق بمكاسبه الاقتصادية القصيرة وحدها بل بكلفته الكاملة عبر عمره الافتراضي، وأن تسبق تقييمات أثر بيئي مكتملة ودراسات مخاطر جيوفيزيائية ومناخية قرارات التنفيذ، وأن تُشرك المجتمعات المحلية في التخطيط بوصفها حاملة المعرفة بخطورة المنحدرات ومواسم الفيضانات، فحين تنسجم مشاريع البنية التحتية مع أطر تخطيط متينة يستطيع الممارسون وصانعو السياسات الموازنة بين الأولويات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية وتقليل الآثار غير المقصودة وتعزيز نتائج مرنة وعادلة في المناظر الجبلية الهشة
ومن الدروس العابرة للحالات أن البصمات الخفية لا تظهر في دراسات الجدوى التقليدية لأنها تنشأ من تفاعلات طويلة الأمد بين البنية التحتية والمناخ والديناميات الاجتماعية، ولذلك تدعو المقالة إلى تقييمات لاحقة دورية بعد التشغيل لا تقييمات سابقة فقط، وإلى سجلات رصد مجتمعية توثق التغيرات الطارئة على المنحدرات والمجاري المائية وأنماط استخدام الأراضي، بما يحول الخبرة المتراكمة من كل طريق إلى معرفة تحمي المشاريع اللاحقة
وخلاصة القول إن شق الطرق في آسيا الجبلية سلاح ذو حدين يجلب الربط والازدهار بقدر ما يجلب المخاطر حين يغيب التخطيط الشامل، وإن دمج تقييم الأثر والحد من مخاطر الكوارث والمرونة المناخية ومشاركة المجتمعات هو سبيل الموازنة المنشودة بين التنمية والاستدامة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/17/7/3156
DOI: 10.3390/su17073156
