يمثل التوفيق الدوائي إحدى الاستراتيجيات الجوهرية لتحسين سلامة المرضى، إذ يهدف إلى ضمان قائمة دوائية دقيقة ومحدثة للمريض عبر مراحل انتقاله بين مستويات الرعاية، وتتعاظم أهميته لدى المرضى متعددي الأدوية والمصابين بأمراض مزمنة ممن يخضعون لعمليات جراحية، حيث تتقاطع أدويتهم المعتادة مع متطلبات التخدير والجراحة وفترة ما حول العملية، فتغدو أي فوارق دوائية غير مكتشفة مصدرًا محتملًا لأخطاء ومضاعفات يمكن الوقاية منها بالمراجعة المنهجية
وفي هذا السياق تصف هذه الدراسة تطبيق أداة إلكترونية مخصصة للتوفيق الدوائي تحمل اسم كونسيليا ميد، ضمن برنامج متعدد التخصصات أُعد للمرضى الخاضعين لجراحات اختيارية، وتقيم في الوقت ذاته مستوى رضا المستخدمين عن الأداة منذ إطلاقها، بما يقدم نموذجًا عمليًا لتوظيف التقنية في دعم قرارات إدارة الأدوية حول الجراحة
وتتزايد الحاجة إلى مثل هذه الأدوات مع اتساع فئة المرضى متعددي الأدوية من كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة متزامنة، إذ تتقاطع في فترة ما حول الجراحة قرارات الإيقاف المؤقت والاستئناف والاستبدال بمكافئات علاجية، ويشارك في هذه القرارات أطباء وصيادلة وممرضون من تخصصات مختلفة، فتغدو المنصة الإلكترونية المشتركة وسيلة لتوحيد المعلومات وتوثيق التدخلات وتقليل الاعتماد على التقديرات الفردية المتفرقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف تطبيق أداة كونسيليا ميد الإلكترونية في برنامج متعدد التخصصات للتوفيق الدوائي لدى المرضى الخاضعين لجراحة اختيارية في القولون والمستقيم، وتقييم رضا المستخدمين عنها، واعتمدت تصميمًا وصفيًا طوليًا استباقيًا لدى المرضى المصنفين عالي الخطورة، واستخدمت الأداة أساسًا للحصول على قائمة دوائية محسّنة وموفّقة للمريض عبر وحدتين رئيسيتين هما وحدة التوفيق الدوائي حول الجراحة ووحدة المكافئات العلاجية، وسُجلت بيانات الأدوية الموفّقة والفوارق الدوائية المكتشفة والتدخلات المنفذة لتحسين القائمة، وجمعت بيانات تسجيل المستخدمين وملاحظاتهم لتحليل الرضا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- شملت الدراسة 73 مريضًا كان معظمهم من متعددي الأدوية، وبلغ مجموع الأدوية التي خضعت للتوفيق 553 دواء
2- حُددت فوارق دوائية بنسبة 10.1 في المئة من مجموع الأدوية الموفّقة، وكانت المجموعات الدوائية الأكثر حضورًا في هذه الفوارق هي الأدوية النفسية المهدئة ومدرات البول
3- كان إيقاف الدواء قبل الجراحة التوصية الأكثر تكرارًا بين توصيات الأداة الرامية إلى تحسين قائمة الأدوية الموفّقة وإدارتها في فترة ما قبل العملية
4- أبلغ المستخدمون من الصيادلة والممرضين والأطباء عن مستوى رضا إجمالي مرتفع عن الأداة، إذ بلغ المتوسط الحسابي للرضا 4.45 بانحراف معياري قدره 0.80 وفق استبانات الرضا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل هذه النتائج على أن الأدوات الإلكترونية المتخصصة قادرة على تنظيم عملية التوفيق الدوائي في بيئة معقدة كجراحات القولون والمستقيم الاختيارية، وأن قدرتها على توليد توصيات عملية أبرزها إيقاف أدوية محددة قبل الجراحة تدعم سلامة المريض حول العملية، كما يعكس رضا المستخدمين المرتفع من التخصصات الثلاثة المشاركة قبولًا مهنيًا يشجع على التوسع في الاعتماد عليها، وتبقى الحاجة قائمة إلى تقييم أكثر شمولًا للأداة لدى فئات أخرى من مرضى الجراحات المجدولة للتحقق من عمومية النتائج
وتنسجم نتائج الدراسة مع توجه أوسع نحو رقمنة مسارات سلامة الدواء في المستشفيات، إذ يوفر التوثيق الإلكتروني للفوارق والتدخلات قاعدة بيانات قابلة للتحليل والتحسين المستمر، ويسمح بتحديد المجموعات الدوائية الأكثر إشكالًا كما ظهر في الأدوية النفسية المهدئة ومدرات البول وتوجيه التثقيف المهني نحوها، كما أن قياس رضا المستخدمين منذ الإطلاق يمثل ممارسة جيدة في إدارة التغيير التقني تضمن استمرار تبني الأداة وتطويرها بناء على خبرة الممارسين الفعلية
ويظل تطوير الأداة عملية مستمرة تتغذى من ملاحظات المستخدمين اليومية ومن تراكم بيانات الفوارق الدوائية بما يوجه تحديثات الوحدات العلاجية ويحسن دقة التوصيات وملاءمتها للممارسة السريرية عبر الزمن
وخلاصة القول إن تطبيق أداة كونسيليا ميد أظهر جدوى عملية في توفيق أدوية مرضى الجراحات الاختيارية واكتشاف الفوارق الدوائية ومعالجتها، ونال رضا مرتفعًا من مستخدميه، ما يجعله نموذجًا واعدًا للتحول الرقمي في خدمات التوفيق الدوائي
