تتزايد الحاجة في الممارسة الطبية الحديثة إلى أدوات تدعم اتخاذ القرار نيابة عن المرضى فاقدي الأهلية حين لا تتوافر لديهم توجيهات مسبقة تحدد رغباتهم العلاجية، إذ يواجه الأطباء وأسر المرضى مواقف معقدة تتطلب الموازنة بين الاعتبارات الطبية البحتة وقيم المريض الشخصية وتفضيلاته التي قد لا تكون معروفة على وجه الدقة، وقد اقترح في هذا السياق ما يعرف بمتنبئ تفضيلات المريض الخوارزمي بوصفه أداة تساعد في تقدير ما كان المريض سيختاره لو كان قادرًا على التعبير عن إرادته، غير أن بناء هذا المتنبئ بصورة مشخصنة يواجه تحديات أخلاقية وقانونية وعملية متعددة لا يمكن تجاوزها بسهولة
وتأتي هذه الدراسة لتستكشف الأساس التجريبي الذي يمكن أن يقوم عليه هذا المتنبئ، من خلال فحص الأدبيات التي استخدمت التعلم الآلي في التنبؤ بمقاييس النتائج المبلغ عنها من المرضى لدى مرضى متمتعين بالأهلية خضعوا لإجراءات وعلاجات وأحداث حياتية متنوعة، انطلاقًا من أن إثبات أداء قوي في التنبؤ بهذه المقاييس لدى المتمتعين بالأهلية قد يفتح الباب أمام تطوير نموذج مخصص لفاقدي الأهلية، إذ إن الهدف الأساس من متنبئ التفضيلات هو تقدير جودة الحياة التي يبلغ عنها المريض بعد التدخل العلاجي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى رسم خريطة للأدبيات العلمية المتاحة حول استخدام التعلم الآلي في التنبؤ بمقاييس النتائج المبلغ عنها من المرضى، والتعرف إلى الدراسات النظرية التي تناولت متنبئ تفضيلات المريض، وذلك باعتماد منهج المراجعة النطاقية وفق إرشادات بريزما الخاصة بالمراجعات النطاقية، وقد شمل البحث ثلاث قواعد بيانات رئيسة هي ببمد وإمبيس وسكوبس، وجرى تتبع الدراسات التي وظفت نماذج التعلم الآلي في التنبؤ بالمقاييس المبلغ عنها من المرضى عقب حدث طبي، إلى جانب الدراسات النوعية التي استكشفت المتنبئ النظري لتفضيلات المرضى، ثم حُللت الدراسات المشمولة من حيث أنواع الأحداث الطبية المدروسة والمتغيرات المتنبئة والمقاييس المستهدفة ومؤشرات الأداء ومدى حضور تقييمات العدالة في النماذج المبنية
ثانيًا: أبرز النتائج
أسفرت المراجعة عن مجموعة من النتائج التي تلقي الضوء على واقع هذا المجال وحدوده الراهنة، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
1- شملت المراجعة ثمانيًا وستين دراسة استخدمت التعلم الآلي في تقييم مقاييس النتائج المبلغ عنها من المرضى، إضافة إلى عشرين دراسة ركزت على المتنبئ النظري لتفضيلات المرضى
2- كانت جراحات العظام أكثر الأحداث الطبية شيوعًا في الدراسات المشمولة بواقع ثلاث وثلاثين دراسة، تلتها جراحات العمود الفقري بواقع اثنتي عشرة دراسة
3- تنوعت المتغيرات المستخدمة متنبئات في النماذج، فشملت البيانات الديموغرافية في ثلاثين دراسة، ومقاييس ما قبل الحدث في اثنتين وخمسين دراسة، والأمراض المصاحبة في تسع وعشرين دراسة، والعوامل الاجتماعية المؤثرة في الصحة في ثلاثين دراسة، والمتغيرات داخل العملية الجراحية في مئة وأربع وعشرين دراسة
4- استُخدم أربعة وثلاثون مقياسًا مختلفًا من مقاييس النتائج المبلغ عنها من المرضى بوصفها مخرجات مستهدفة، وتباينت مقاييس التقييم بحسب المهمة المطلوبة، غير أن الأداء في المجمل تراوح بين الضعيف والمتوسط حتى في أفضل الدرجات المبلغ عنها
5- في النماذج التي اعتمدت أهمية السمات، كانت مقاييس ما قبل الحدث الأكثر تنبؤًا بمقاييس ما بعد الحدث، بينما ظلت تقييمات العدالة نادرة إذ لم ترد إلا في ست دراسات فقط
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتشير دلالات هذه النتائج إلى أن تطوير متنبئ مشخصن لتفضيلات المرضى فاقدي الأهلية لا يمكن أن يقوم على العوامل الديموغرافية وحدها، بل يستلزم دمج قيم المرضى وتفضيلاتهم دمجًا أصيلًا في بناء النماذج وتدريبها، كما يبرز الحاجة إلى تحسين جودة التنبؤ بمقاييس النتائج المبلغ عنها من المرضى والاهتمام المنتظم بتقييمات العدالة لضمان عدم انحياز النماذج ضد فئات معينة من المرضى، وتفتح هذه النتائج أمام الباحثين والممارسين فرصة لتطوير نماذج أكثر نضجًا تراعي الخصوصية الفردية لكل مريض وتستند إلى أدلة تجريبية أوضح
وخلاصة القول إن استخدام التعلم الآلي في التنبؤ بمقاييس النتائج المبلغ عنها من المرضى لدى المرضى المتمتعين بالأهلية يقدم تحديات وفرصًا في آن واحد لبناء متنبئ مشخصن لتفضيلات المرضى فاقدي الأهلية ممن لا تتوافر لديهم توجيهات مسبقة، وإن نضج هذا التوجه مرهون بتحسين الأداء التنبؤي ودمج قيم المرضى وتفضيلاتهم في صميم النماذج
