يعد التعلم القائم على الحالات أسلوب تدريس يتمحور حول التعلم النشط للطالب، إذ يواجه المتعلم حالات واقعية أو محاكية يبني عليها فهمه ويتخذ بشأنها قرارات، بخلاف أساليب التدريس التقليدية التي يغلب عليها التلقي السلبي، ومن هنا يوصف هذا الأسلوب بأنه قادر على تجاوز كثير من قيود الطرائق التقليدية المستخدمة في تعليم الطب في المرحلة الجامعية، غير أن الأدلة حول تفوقه الفعلي على غيره من الاستراتيجيات في الأداء الأكاديمي وتصورات الطلاب ظلت متفرقة بين دراسات فردية متفاوتة النتائج، وهو ما يستدعي تجميعها في مراجعة منهجية وتحليل بعدي يقدمان صورة مجمعة موثوقة بقدر الإمكان
وتتعدد أبعاد الحكم على أي أسلوب تدريسي، فلا يكفي أن يرفع درجات الطلاب في الاختبارات، بل يهم أيضًا كيف ينعكس على تصوراتهم الذاتية وعلاقاتهم بأقرانهم وتفاعلهم مع أعضاء هيئة التدريس، إذ تشكل هذه التصورات جزءًا من جودة التجربة التعليمية وأثرها بعيد المدى، وتتناول هذه المراجعة الأداء الأكاديمي والتصورات معًا بمستوياتها الفردية وبين الأقران وبين الطالب وعضو هيئة التدريس، بما يمنح صورة متوازنة عن موقع التعلم القائم على الحالات بين استراتيجيات تعليم الطب المعاصرة، ويحدد مواضع قوته ومواضع غموض الأدلة حوله
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المراجعة المنهجية إلى مقارنة فاعلية التعلم القائم على الحالات بغيره من مناهج التدريس من حيث الأداء الأكاديمي والتصورات لدى طلاب الطب الجامعيين، وقد أُجري البحث في الأدبيات بقواعد بيانات ببمد وإمبيز وشبكة العلوم حتى الثامن والعشرين من أبريل عام 2021، وأُدرجت الدراسات التي قارنت كميًا نتائج الأداء الأكاديمي والتصورات بين التعلم القائم على الحالات وأساليب تدريس أخرى لدى طلاب الطب الجامعيين، وقُيّم خطر التحيز في الدراسات المشمولة بأداة مخصصة، وقُدّر يقين الأدلة بإطار معتمد، ثم أُجريت تحليلات بعدية بنموذج الآثار العشوائية وقُدمت النتائج فروقًا معيارية في المتوسطات بفواصل ثقة قدرها 95 في المئة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أسفر فحص 4470 سجلًا عن انطباق معايير الأهلية على 41 دراسة ضمت 7667 طالب طب جامعيًا، وهي مجمل قاعدة الأدلة التي بُنيت عليها مقارنات هذه المراجعة وتحليلاتها البعدية
2- تفوقت مجموعة التعلم القائم على الحالات على مجموعات الأساليب الأخرى في الأداء الأكاديمي المقاس بدرجات الاختبارات، إذ بلغ الفرق المعياري في المتوسطات 2.37 بفاصل ثقة 95 في المئة يمتد من 1.25 إلى 3.49، وهو حجم أثر كبير، غير أن يقين الأدلة كان منخفضًا جدًا
3- تفوقت مجموعة التعلم القائم على الحالات أيضًا في الاهتمام والدافعية، إذ بلغ الفرق المعياري في المتوسطات 0.79 بفاصل ثقة 95 في المئة يمتد من 0.13 إلى 1.44، وهو حجم أثر متوسط، مع يقين أدلة منخفض جدًا كذلك
4- لم تختلف بقية نواتج الأداء الأكاديمي أو التصورات بين التعلم القائم على الحالات والأساليب الأخرى اختلافًا ذا دلالة إحصائية عند النظر إلى الأثر المجمع، وإن كانت غالبًا متفوقة لصالح مجموعة التعلم القائم على الحالات في مجموعات فرعية محددة
5- بدا تفوق التعلم القائم على الحالات في الأداء الأكاديمي أوضح ما يكون عند مقارنته بالمحاضرات التقليدية والتعليم القائم على الإرشاد الفردي، بما يرجح أن الفارق يتعاظم كلما ازدادت سلبية الأسلوب المقارن وتلقيه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشجع هذه النتائج كليات الطب على توسيع حضور التعلم القائم على الحالات في مقرراتها بوصفه بديلًا واعدًا عن المحاضرات التقليدية، ولا سيما أنه جمع بين رفع الأداء في الاختبارات وتعزيز اهتمام الطلاب ودافعيتهم، غير أن انخفاض يقين الأدلة إلى درجة منخفضة جدًا يفرض الحذر في تعميم الحكم ويدعو إلى دراسات أولية أقوى منهجيًا وأكبر حجمًا وأدق تقارير قبل أن يصدر استنتاج أقوى وأكثر حسمًا، كما ينبه مصممي المناهج إلى أن فاعلية الأسلوب قد تتفاوت بحسب المجموعات الفرعية وسياقات التطبيق، بما يستدعي تقويمًا محليًا مصاحبًا لأي تبنٍ واسع، ومواصلة قياس التصورات بجانب الدرجات بوصفها ناتجًا تعليميًا قائمًا بذاته
وخلاصة القول إن التعلم القائم على الحالات أظهر تفوقًا في الأداء الأكاديمي والاهتمام والدافعية على أساليب التدريس الأخرى لدى طلاب الطب الجامعيين، بخاصة أمام المحاضرات التقليدية، وإن كان يقين الأدلة منخفضًا جدًا بما يجعل هذا التفوق وعدًا قويًا يحتاج إلى مزيد من التحقق قبل تحوله إلى حكم نهائي
