تستعرض هذه المقالة مسيرة نصف قرن من التوسع والتدويل الملحوظين في مجال بحوث بيئات التعلم، ذلك المجال الذي يدرس الأجواء النفسية والاجتماعية والمادية التي يتعلم فيها الطلاب داخل الفصول والمؤسسات التعليمية، وكيفية إدراكهم لها وتأثر تحصيلهم واتجاهاتهم بها، فقد نما هذا المجال من اهتمامات بحثية متفرقة إلى حقل دولي منظم له جمعياته ومجلاته وأدواته المقننة ومؤتمراته، وصارت نتائجه مرجعًا للمعلمين ومصممي المناهج ومقوّمي البرامج التعليمية في بلدان كثيرة، وتوثيق هذه المسيرة ليس ترفًا تاريخيًا بل وسيلة لفهم كيف تراكمت المعرفة في المجال وإلى أين تتجه بحوثه المقبلة
وترصد المقالة أبرز المعالم التي شكلت هوية هذا المجال وانتشاره العالمي، من إنشاء أطر مؤسسية جمعت الباحثين ونسقت جهودهم، إلى ظهور مجلات متخصصة نشرت بحوثه ووسعت دائرة قرائه، إلى تطوير استبانات اقتصادية الكلفة وواسعة الانتشار لقياس بيئات التعلم قُننت عبر دراسات متتابعة واستخدمت في ثقافات متعددة، كما تلخص ما راكمته البحوث من معرفة حول تحسين نواتج الطلاب عبر بناء بيئات تعلم إيجابية، وتستشرف في ختامها خطوطًا بحثية جديدة وناشئة تستحق العناية في المرحلة المقبلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المقالة المرجعية إلى مراجعة تطور مجال بحوث بيئات التعلم عبر نصف قرن، وتوثيق معالمه المؤسسية والعلمية الكبرى، وعرض أبرز أدواته المقننة واسعة الاستخدام، وتلخيص ما أنجزته بحوثه من معرفة راسخة حول تحسين تعلم الطلاب، وتحديد اتجاهات بحثية ناشئة تحفز الباحثين والممارسين على مواصلة العمل، واعتمدت المقالة على استعراض تحليلي للأدبيات والمحطات التاريخية للمجال، ومنها إنشاء مجموعة الاهتمام الخاصة ببيئات التعلم في الجمعية الأمريكية للبحوث التربوية، وإصدار دار سبرنجر مجلة دولية متخصصة في بحوث بيئات التعلم، ومناقشة استبانات مقننة خضعت لفحوص صدق وثبات واسعة، وفي مقدمتها مقياس ما الذي يحدث في هذا الفصل الذي أُدرج بنصه الكامل في ملحق المقالة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- شهد المجال توسعًا وتدويلًا لافتين عبر نصف قرن، تعززا بإنشاء مجموعة الاهتمام الخاصة ببيئات التعلم في الجمعية الأمريكية للبحوث التربوية، وبإصدار مجلة دولية متخصصة لدى دار سبرنجر صارت منبرًا رئيسًا لبحوث المجال
2- توفرت للمجال استبانات مقننة واسعة الاستخدام ومتحقق من صدقها وثباتها واقتصادية في التطبيق، وفي مقدمتها مقياس ما الذي يحدث في هذا الفصل المكوّن من 56 بندًا، الذي أُدرج في ملحق المقالة تيسيرًا لتوظيفه في البحوث والتطبيقات
3- ولّد باحثو بيئات التعلم معرفة راسخة حول كيفية تحسين نواتج الطلاب من خلال بناء بيئات تعلم إيجابية داخل الفصول الدراسية، وهو ما يجعل المناخ الصفي متغيرًا قابلًا للتدخل والتطوير لا قدرًا ثابتًا
4- أثبتت البحوث قيمة إدراج أبعاد بيئة التعلم بوصفها معايير عملية للفاعلية عند تقويم البرامج التعليمية وأساليب التدريس، بما يوازن الحكم على البرامج بين مدخلاتها ونواتجها وأجواء تنفيذها
5- زودت بحوث المجال المعلمين بمقاربات مباشرة وبسيطة يمكنهم توظيفها في بحوث إجرائية تستهدف تحسين بيئات تعلم طلابهم، فصار المعلم شريكًا في إنتاج المعرفة حول فصله لا متلقيًا لنتائج البحوث فحسب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز من هذه المراجعة خطوط بحثية جديدة وناشئة تستحق أن تتصدر أجندة المجال، منها الدراسات العابرة للدول التي تقارن بيئات التعلم عبر ثقافات وأنظمة تعليمية مختلفة، ودراسة البيئات المادية للمباني التعليمية ومساحات التعلم ودورها في تشكيل خبرة المتعلم، والتقدم في أساليب التحليل الإحصائي المستخدمة في دراسات بيئة التعلم بما يواكب تعقد البيانات التعليمية الحديثة، كما تدل المسيرة الموثقة على أن الاستثمار في أدوات قياس مقننة ومشتركة بين الباحثين شرط لتراكم المعرفة وقابليتها للمقارنة، وأن على مؤسسات إعداد المعلمين وتدريبهم أن تمنح بيئة التعلم موقعًا مركزيًا في برامجها بوصفها وسيطًا حاسمًا بين التدريس والتعلم
وخلاصة القول إن بحوث بيئات التعلم قطعت في نصف قرن شوطًا بعيدًا من التوسع والتدويل وبناء الأدوات وتراكم المعرفة التطبيقية، وإن إتاحة أدواتها المقننة للباحثين والممارسين، وفتح خطوط بحثية عابرة للدول ومهتمة بالبيئات المادية وأساليب التحليل الحديثة، كفيلان بأن يحملا هذا المجال إلى مرحلة أرحب من النضج والأثر
