يحتل سرطان عنق الرحم مكانة بارزة بين قضايا صحة المرأة في العالم، إذ يُعد من السرطانات التي يمكن الوقاية منها والكشف المبكر عنها عبر برامج الفحص المنتظم، غير أن الإقبال على الفحص ما يزال دون المستوى المأمول في كثير من المجتمعات، وهو ما يجعل فهم المعتقدات الصحية والدوافع التي تحكم سلوك المرأة نحو الفحص مدخلًا أساسيًا لبناء تدخلات فعالة ترفع معدلات المشاركة فيه، وتستند هذه الدراسة إلى نموذج المعتقدات الصحية الذي يفسر السلوك الصحي الوقائي عبر أبعاد من قبيل المنافع المدركة والعوائق المدركة والدافعية الصحية، وقد أُجريت في تركيا حيث توفر مراكز صحة الأسرة فحوصات مجانية للكشف عن الحمض النووي لفيروس الورم الحليمي البشري للنساء، على الرغم من أن لقاح هذا الفيروس لم يُدمج بعد في البرنامج الصحي الوطني رغم ثبوت فاعليته في الوقاية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم المعتقدات الصحية لدى النساء التركيات ودوافعهن للمشاركة في فحص سرطان عنق الرحم، باستخدام مقياس نموذج المعتقدات الصحية لسرطان عنق الرحم واختبار مسحة عنق الرحم، وذلك لفهم الإقبال على الفحص وتعزيزه، واتبعت الدراسة تصميمًا مقطعيًا، وأُجريت في مراكز صحة الأسرة في منطقتي كارتال وبنديك بمدينة إسطنبول، وشمل مجتمع الدراسة النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 30 و65 عامًا، واختيرت المشاركات عشوائيًا من قوائم المراكز لعام 2023، وجُمعت البيانات عبر مقابلات وجهًا لوجه باستخدام استبانة منظمة مبنية على المقياس المذكور، وقد تواصل الباحثون مع عينة مختارة عشوائيًا قوامها 422 امرأة من بين 8003 نساء مسجلات في مراكز صحة الأسرة، فقبلت 354 امرأة المشاركة، ورفضت 25 امرأة، واستُبعدت 43 امرأة لعدم استيفائهن معايير الإدراج المعتمدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج مجموعة من العلاقات والفروق ذات الدلالة الإحصائية، ويمكن إجمال أبرزها في الآتي: 1- بلغ متوسط عمر المشاركات 44،58 عامًا بمدى تراوح بين 30 و64 عامًا، وكانت نسبة 51 في المئة منهن قد خضعن سابقًا لاختبار المسحة، 2- ارتبط العمر ارتباطًا سالبًا بالدرجة الكلية للمقياس وببعدي المنافع المدركة والدافعية الصحية، وارتباطًا موجبًا ببعد العوائق المدركة، وذلك بدلالات إحصائية تراوحت مستوياتها بين 0،001 و0،046، 3- أثرت حالة الضمان الاجتماعي في الدرجة الكلية للمقياس وفي الدافعية الصحية والعوائق المدركة، كما أثرت حالة العمل في الدرجة الكلية والدافعية الصحية والعوائق المدركة، إذ أظهرت النساء العاملات دافعية صحية أعلى وعوائق مدركة أقل من غير العاملات، 4- أثر تعاطي الكحول ومستويات النشاط البدني في الدرجة الكلية للمقياس وفي الدافعية الصحية، كما أثر إدراك مخاطر الأمراض المنقولة جنسيًا في درجات المقياس وفي العوائق المدركة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتشير دلالات هذه النتائج إلى أن المعتقدات الصحية للنساء ودوافعهن نحو فحص سرطان عنق الرحم لا تتشكل في فراغ، بل تتأثر بعوامل اجتماعية وديموغرافية وبعادات الحياة اليومية، وهو ما يعني أن برامج التوعية والفحص ينبغي أن تُصمم بمراعاة خصائص الفئات المستهدفة، فالنساء الأكبر سنًا وغير العاملات قد يحتجْن إلى رسائل توعوية تعالج العوائق المدركة لديهن وتعزز إدراكهن لمنافع الفحص المبكر، كما يمكن لمراكز صحة الأسرة أن تستثمر المقابلات المباشرة مع النساء في تصحيح المفاهيم الخاطئة وبناء الدافعية الصحية، وتفيد هذه النتائج القائمين على برامج صحة المرأة في توجيه الموارد والجهود نحو الفئات الأقل إقبالًا على الفحص، وربط أنشطة التوعية بأنماط الحياة اليومية كالنشاط البدني، كما تدعم النتائج توظيف نموذج المعتقدات الصحية إطارًا عمليًا عند تخطيط حملات الفحص وتقييم أثرها في المجتمعات المختلفة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت صورة تحليلية للعوامل المرتبطة بمعتقدات النساء التركيات الصحية ودوافعهن نحو فحص سرطان عنق الرحم، مبينة أن العمر والضمان الاجتماعي والعمل والنشاط البدني وإدراك المخاطر عوامل مؤثرة في هذا السلوك الوقائي المهم، وبما يوجه جهود تعزيز الإقبال على الفحص نحو مقاربات أكثر استهدافًا وفاعلية في حماية صحة المرأة
