أدى التقدم المتسارع في استخدامات الذكاء الاصطناعي إلى ظهور أشكال أكثر تنوعًا يمكن أن يتخذها التضليل الإعلامي وقنوات أوسع لانتشاره، حتى غدا مستقبل الآليات القانونية لمعالجة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي غير محسوم، ويواجه المشرعون في هذا المجال تعقيدًا إضافيًا يتمثل في ضرورة المواءمة بين الأطر القانونية الوطنية للدول الديمقراطية والحاجة إلى تنظيم المحتوى الرقمي المحتمل خطورته، وفي هذا السياق راجعت هذه الورقة وحللت بعض النقاشات الحديثة حول استخدام التنظيم القانوني في معالجة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وقدمت حالة أوكرانيا الوطنية مثالًا على التطورات الجارية في هذا الميدان، بما يفيد المشرعين والباحثين في فهم حدود التشريع وإمكاناته أمام تهديد رقمي عابر للحدود
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الورقة إلى تحليل دور التنظيم القانوني الوطني في مواجهة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وطورت نقاشها عبر تحليل منظومات مواجهة التضليل القائمة، وتشريعات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والتنظيمات الناشئة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مستعرضة الحالة الأوكرانية بوصفها نموذجًا وطنيًا تطور في ظروف استثنائية، إذ طُور القانون الأوكراني لمكافحة التضليل بوصفه استجابة طارئة للعدوان العسكري الروسي المعترف به دوليًا وتكتيكات الحرب الهجينة المصاحبة له، وتتبعت الورقة كيف يكشف هذا القانون عن حاجة حاسمة إلى مواءمة حتى التدابير الطارئة مع القانون الدولي ومبادئ حرية التعبير، بحيث لا تتحول مواجهة التضليل ذاتها إلى مساس بالحقوق والحريات التي يفترض أن تحميها الدول الديمقراطية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الورقة إلى مجموعة من الاستنتاجات حول شروط فاعلية المواجهة القانونية للتضليل، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية: 1- تتمثل الإجراءات الفعالة اللازمة لمواجهة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي في منظومة ثلاثية متكاملة هي الوقاية والكشف وتنفيذ مجموعة من إجراءات الاستجابة، حددتها الورقة وأدرجتها بوصفها عناصر لا غنى عنها لأي استراتيجية وطنية جادة، 2- تكشف الحالة الأوكرانية أن التشريعات الطارئة المولودة في زمن الحرب تظل مطالبة بالتوافق مع القانون الدولي ومبادئ حرية التعبير، فالضرورة الأمنية لا تلغي القيود الحقوقية على سلطة الدولة في تنظيم المحتوى، 3- ما يزال هناك احتياج قائم إلى توسيع نطاق الآليات القانونية القادرة على التصدي للتحديات العليا في مواجهة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إذ لم تبلغ الأطر القائمة بعد مستوى الاكتمال اللازم لمواكبة تطور أدوات التضليل وقنواته، 4- يقتضي نجاح التنظيم الوطني مواءمة مستمرة بين التشريعات الوطنية للدول الديمقراطية ومتطلبات ضبط المحتوى الرقمي الخطير، بما يحفظ التوازن بين الأمن المعلوماتي وصيانة الحريات العامة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الاستنتاجات دلالات مهمة للمشرعين وصناع السياسات في الدول الديمقراطية، إذ تبين أن بناء منظومة وطنية لمواجهة التضليل ينبغي أن يسبقه جهد وقائي وكشفي لا يقتصر على العقوبات اللاحقة، وأن أي تشريع جديد في هذا المجال سيجد في التجارب الأوروبية والأمريكية وفي التنظيمات الناشئة للذكاء الاصطناعي مادة غنية للمقارنة والاستفادة، كما تفيد الحالة الأوكرانية الدول التي تواجه حملات تضليل ممنهجة بأن الاستجابة التشريعية السريعة ممكنة دون التضحية بالالتزامات الدولية ومبادئ حرية التعبير إذا صيغت التدابير بعناية، وتفتح الورقة أمام الباحثين أسئلة متجددة حول كيفية تطوير الآليات القانونية لتلحق بأدوات تضليل تتطور بسرعة تفوق سرعة التشريع ذاته
وتزداد راهنية هذه الورقة مع تسارع سباق التسلح الرقمي بين منتجي التضليل وكاشفيه، إذ باتت أدوات توليد النصوص والصور والأصوات المزيفة أرخص وأسهل منالًا لعامة المستخدمين، بينما تتطلب المواجهة التشريعية زمنًا طويلًا من الصياغة والمناقشة والإقرار، وهو فاصل زمني تعمل الورقة على تضييقه بتجميع الخبرات المتاحة وتحليلها وتقديمها للمشرعين مادة جاهزة للمقارنة والتكييف مع الأوضاع الوطنية لكل دولة
وخلاصة القول إن مواجهة التضليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر التنظيم الوطني تتطلب منظومة متكاملة من الوقاية والكشف والاستجابة، وتشريعات توازن بين الأمن وحرية التعبير، وتُظهر حالة أوكرانيا أن حتى تدابير الطوارئ يمكن، بل يجب، أن تنضبط بالقانون الدولي ومبادئ الحريات
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/frai.2024.1474034/full
DOI: 10.3389/frai.2024.1474034
