أدركت منظمات الخدمات الإنسانية على نحو متزايد قيمة توظيف الرعاية المراعية للصدمات في بيئات ممارسة متنوعة، وتشير الأدلة إلى أن التبني الفعال لهذه الرعاية أظهر تحسنًا لدى العملاء متلقي الخدمة، غير أن عوائق تنظيمية تقف في طريق تطبيقها، وفي مقدمتها اتجاهات العاملين ومعتقداتهم تجاه هذا النمط من الرعاية ومدى استعدادهم لتبنيه في ممارساتهم اليومية
وتنبع أهمية قياس اتجاهات العاملين من أن تبني أي مقاربة علاجية جديدة داخل المنظمات لا يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، بل بقناعات الممارسين اليوميين الذين يترجمون المبادئ إلى سلوك مهني ملموس مع العملاء، ويواجه العاملون مع الوالدين المتعاطين للمواد تحديات مضاعفة تجمع بين حساسية حالات التعاطي واحتياجات الأسر والأطفال معًا
ويشمل التحقق السيكومتري بهذا المعنى فحص البنية العاملية للأداة ومدى اتساق بنودها وقدرتها على قياس ما صممت لقياسه لدى كل فئة مهنية على حدة، ويمثل تنوع الفئة المدروسة عرقيًا وإثنيًا عنصرًا مهمًا في اختبار عدالة المقياس عبر المجموعات المختلفة داخل بيئة العمل الواحدة
ولتحسين ممارسة الرعاية المراعية للصدمات طُور مقياس الاتجاهات المتعلقة بهذه الرعاية المعروف باسم آرتيك لقياس اتجاهات الموظفين ومعتقداتهم نحوها، وقد تبناه الباحثون على نطاق واسع في دراساتهم دون تقييم أدائه السيكومترية في بيئات ممارسة متنوعة، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى معالجته عبر تحقق مستقل من صلاحية المقياس في بيئة خدمية محددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق بصورة مستقلة من صلاحية مقياس آرتيك بصيغته المكونة من خمسة وأربعين بندًا، اعتمادًا على عينة من 373 موظفًا يقدمون خدمات للوالدين المتعاطين للمواد في مجال الصحة النفسية، وأجريت اختبارات سيكومترية متعددة لتقييم كيفية أداء المقياس لدى هذه الفئة من العاملين في منظمات الخدمات الإنسانية، شملت تحليلًا عامليًا توكيديًا وتحليلًا عامليًا استكشافيًا وتحليلًا كيفيًا للعلاقات بين البنود
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الاختبارات السيكومترية المتعاقبة نتائج متكاملة يمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
1 – أظهرت نتائج التحليل العاملي التوكيدي مطابقة ضعيفة لبنية المقياس الأصلية، بقيمة كاي تربيع قدرها 2761،62 ومؤشر جذر متوسط مربع خطأ التقريب 0،07 ومؤشر مطابقة مقارن قدره 0،72
2 – أجري تحليل عاملي استكشافي لفحص كيفية ملاءمة البيانات لهذه الفئة تحديدًا، فأسفر عن عشرة عوامل
3 – أجري بعد ذلك تحليل كيفي للعلاقات بين البنود داخل هذه العوامل المستخلصة، فانتهى إلى تسعة عوامل
4 – تشير النتائج مجتمعة إلى أن قياس الاتجاهات والمعتقدات المتعلقة بالرعاية المراعية للصدمات قد يختلف بحسب مجال الممارسة وبحسب العاملين المتنوعين عرقيًا وإثنيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يترتب على هذه النتائج أن مواصلة تحسين مقياس آرتيك وصقله قد تكون ضرورية لمختلف مجالات الخدمات، فلا ينبغي افتراض أن أداة قياس أظهرت خصائص جيدة في سياق مهني ما ستحتفظ بخصائصها السيكومترية ذاتها في سياقات أخرى، وهو درس منهجي مهم لباحثي القياس النفسي والاجتماعي وللممارسين المشرفين على برامج الرعاية المراعية للصدمات على السواء
كما تمنح النتائج إدارات منظمات الخدمات الإنسانية أساسًا حذرًا عند استخدام درجات المقياس في تقييم فرق العمل أو تخطيط التدريب، فالدرجات المستخرجة من بنية عاملية غير مستقرة قد تقود إلى استنتاجات مضللة عن اتجاهات العاملين الحقيقية واستعدادهم الفعلي لتبني الرعاية المراعية للصدمات
ويفتح ذلك المجال لدراسات لاحقة تختبر صورًا مختصرة أو معدلة من المقياس لدى فئات مهنية وخدمية متنوعة، وصولًا إلى ممارسة أكثر اتساقًا وفعالية لصالح الأسر متلقية الخدمة في هذه المنظمات
وتستدعي هذه الخلاصة المنهجية مراجعة مماثلة لأدوات قياس نفسية واجتماعية أخرى شاع استخدامها عبر سياقات مهنية وثقافية متباينة دون تحقق كاف من خصائصها في كل سياق على حدة
وخلاصة القول إن مقياس آرتيك أداة واعدة لقياس اتجاهات العاملين نحو الرعاية المراعية للصدمات، لكن بنيته العاملية تحتاج إلى تكييف وصقل بحسب كل مجال خدمي وفئة مهنية، بما يضمن قياسًا صادقًا ودقيقًا يرشد جهود تطوير هذه الرعاية وتدريب العاملين عليها في المنظمات المختلفة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/13/6/471
DOI: 10.3390/bs13060471
