تنتشر أمراض القلب والأوعية الدموية على نطاق واسع بين كبار السن وترتبط ارتباطًا قويًا بخطر السقوط لديهم، وهو خطر تترتب عليه كسور وإعاقات وتدهور في الاستقلالية وجودة الحياة، ومن المعروف أن السقوط يرتبط باختلالات في الإدراك والأداء الوظيفي والمشية، غير أن المعرفة ما تزال محدودة حول هذه الارتباطات تحديدًا لدى كبار السن المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية بوصفهم فئة ذات هشاشة مضاعفة
وتسعى هذه الدراسة المقارنة إلى توضيح الارتباطات المحتملة بين القدرة البدنية والمخرجات الوظيفية والمعرفية من جهة وحدوث السقوط من جهة أخرى لدى هذه الفئة، مستعينة بتقنيات التعلم الآلي لبناء نموذج تصنيفي يحدد أهم المتغيرات المرتبطة بخطر السقوط، بما يدعم جهود الوقاية والتدخل المبكر في الرعاية الصحية لكبار السن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص قدرة الأداء ثنائي المهمة والتوازن والقدرة الهوائية على التنبؤ بالسقوط لدى كبار السن المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية، وشملت الدراسة 72 مريضًا مسنًا قُسموا إلى مجموعتين وفق حدوث السقوط خلال عام واحد، ضمت الأولى 24 حالة ممن تعرضوا للسقوط، وضمت الثانية 48 فردًا من غير المتعرضين له بوصفهم مجموعة ضابطة، وطُبقت تقنيات التعلم الآلي لصياغة نموذج تصنيفي وتحديد المتغيرات الأكثر أهمية في الارتباط بخطر السقوط من بين مؤشرات الصحة القلبية والعمر والأداء المعرفي والوظيفي والتوازن والقدرة الهوائية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج فروقًا واضحة بين المتعرضين للسقوط وغير المتعرضين له، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية
1- سادت في مجموعة الحالات المتعرضة للسقوط خصائص أسوأ تمثلت في التصنيف الأضعف لصحة القلب والتقدم الأكبر في العمر والأداء الأضعف معرفيًا ووظيفيًا، إلى جانب مستويات أدنى في التوازن والقدرة الهوائية
2- جاءت المتغيرات الأكثر أهمية في نموذج التعلم الآلي هي الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين، والأداء ثنائي المهمة مقاسًا بالثواني، ودرجة مقياس بيرغ للتوازن، بما يبرز القنوات البدنية والمعرفية الحركية لخطر السقوط
3- وجدت الدراسة ارتباطًا دالًا بين الأداء المعرفي الحركي وحدوث السقوط، فكلما تدهور أداء المريض في المهام المزدوجة التي تجمع بين المشي ومهمة معرفية ازداد احتمال تعرضه للسقوط خلال عام المتابعة
4- ارتبط الأداء ثنائي المهمة والتوازن والقدرة الهوائية جميعًا بارتفاع خطر السقوط لدى كبار السن المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية خلال عام من الملاحظة، بما يجعلها مؤشرات إنذار مبكر قابلة للقياس الروتيني
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى إمكان توظيف اختبارات بسيطة للأداء ثنائي المهمة والتوازن والقدرة الهوائية في الفرز الدوري لكبار السن المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية لتحديد الأكثر عرضة للسقوط وتوجيه التدخلات الوقائية إليهم مبكرًا، مثل برامج التمارين المتوازنة والتدريب على المهام المزدوجة وتحسين اللياقة الهوائية، كما تبرز النتائج قيمة تقنيات التعلم الآلي في ترتيب عوامل الخطر وتركيز الموارد السريرية على المؤشرات الأعلى تنبؤًا، بما يعزز سلامة المرضى المسنين ويحد من الأعباء الصحية والاقتصادية المترتبة على حوادث السقوط ومضاعفاتها
وتندرج هذه الدراسة في مجال طب الشيخوخة الوقائي الذي يبحث في الفرز المبكر لعوامل الخطر القابلة للتعديل لدى المسنين، وتمتاز بتوجهها إلى فئة تجمع بين هشاشة القلب والأوعية الدموية وهشاشة الحركة والتوازن، وبدمجها مؤشرات من مجالات متكاملة هي اللياقة الهوائية والتوازن والأداء المعرفي الحركي في نموذج تنبؤي واحد، وهو دمج يعكس الطبيعة متعددة العوامل لحوادث السقوط التي لا يفسرها عامل منفرد، ويقدم لأطباء القلب والتأهيل وأخصائيي العلاج الطبيعي مسارًا عمليًا لبناء برامج وقاية موجهة بدقة إلى المرضى الأعلى خطورة في العيادات والمجتمع، ولتوجيه الموارد الوقائية المحدودة نحو من يحتاجونها فعلًا
وخلاصة القول إن خطر السقوط لدى كبار السن المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية يمكن التنبؤ به بدرجة معتبرة من خلال مؤشرات الأداء ثنائي المهمة والتوازن والقدرة الهوائية، وأن دمج هذه المؤشرات في التقييم السريري الروتيني يمثل خطوة عملية نحو وقاية استباقية تحفظ لهذه الفئة سلامتها واستقلاليتها وجودة حياتها








