يمثل عنف المرضى والزوار ضد العاملين الصحيين مشكلة مقلقة في المستشفيات العامة الكبيرة، لما له من آثار في سلامة الكوادر الصحية وجودة الرعاية واستقرار بيئة العمل، وقد فرضت جائحة كوفيد-19 تدابير شاملة للوقاية من العدوى ومكافحتها أعادت تنظيم حركة المرضى والزوار وإجراءات الاستقبال داخل المستشفيات، فثار سؤال عما إذا كانت هذه التدابير قد أثرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في معدلات هذا العنف ارتفاعًا أو انخفاضًا
فحصت هذه الدراسة اتجاهات عنف المرضى والزوار في المستشفيات العامة الكبيرة في الصين خلال الفترة من عام 2016 إلى عام 2020، وبحثت آثار تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها في هذا العنف خلال الجائحة، مستثمرة تباين مستوى صرامة هذه التدابير بين المستشفيات مدخلًا لتقدير أثرها مع ضبط الفروق الثابتة بين المستشفيات والاتجاهات الزمنية العامة
وتُعرف هذه الظاهرة في الأدبيات الصحية بوصفها تحديًا عالميًا يمس سلامة الممارسين الصحيين واستبقاءهم في وظائفهم، وتتعدد تفسيرات وقوعها بين ضغوط الانتظار الطويل وازدحام أقسام الطوارئ والعيادات وقصور التواصل بين الطرفين، وقد جاءت الجائحة بظرف استثنائي أعاد تشكيل كل هذه العوامل دفعة واحدة داخل المستشفيات، كما يلقي هذا العنف بظلاله على قرارات الشباب في الالتحاق بالمهن الصحية وعلى صورة القطاع الطبي في المجتمع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استخرج الباحثون بيانات عنف المرضى والزوار على مستوى المستشفيات للفترة من 2016 إلى 2020 في ثلاث مدن في شمال الصين من قاعدة بيانات نظام الإشعار بجودة الرعاية الطبية وسلامتها التابع لواحد وأربعين مستشفى عامًا، واستُخدمت طريقة الفرق في الفروق لتقدير آثار تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها في عنف المرضى والزوار، إذ قارنت الاستراتيجية التجريبية بين تغيرات معدل وقوع العنف في المستشفيات التي كانت تدابيرها أشد صرامة ونظيراتها ذات التدابير الأضعف نسبيًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تباينًا واضحًا في اتجاه معدلات العنف بحسب مستوى تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها، ومن أبرزها ما يأتي: 1- انخفض معدل وقوع عنف المرضى والزوار بين عامي 2019 و2020 من 4،59 إلى 2،15 في المئة في المستشفيات ذات مستوى التدابير المرتفع، بينما ارتفع من 4،42 إلى 4،56 في المئة في المستشفيات ذات المستوى المتوسط، 2- بينت نماذج الفرق في الفروق أنه كلما ارتفع مستوى تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها انخفض معدل وقوع العنف انخفاضًا أكثر وضوحًا ودلالة، بمعامل قدره سالب 3،12 وفاصل ثقة عند مستوى 95 في المئة يمتد من سالب 5،74 إلى سالب 0،50، وذلك بعد ضبط الآثار الثابتة للمستشفيات والاتجاهات الزمنية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعزو الدراسة هذا الأثر إلى أن التدابير الشاملة متعددة الأبعاد طوال الجائحة في الصين لم تضبط العدوى فحسب، بل خفضت وقوع العنف بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر تخفيف ضغوط العاملين الصحيين وازدحام بيئة العمل المكتظة، وإيجاد نظام قبول منظم، وتقليل زمن انتظار المرضى، وتقدم النتائج بذلك درسًا إداريًا مفاده أن تنظيم بيئة الاستقبال والفرز ينعكس على أمن الكوادر وسلامتها إلى جانب انعكاسه على مكافحة العدوى
وتمتد فائدة هذه النتائج إلى سياقات صحية أخرى خارج الصين، إذ تقدم الجائحة تجربة ميدانية واسعة تثبت أن كثيرًا من مسببات التوتر المرتبطة بالعنف قابلة للمعالجة التنظيمية لا الأمنية وحدها، فتنظيم تدفق المراجعين وتقليل الازدحام وتقصير الانتظار تدخلات إدارية منخفضة الكلفة نسبيًا قياسًا إلى كلفة العنف البشرية والمهنية على المنظومات الصحية، وهذا ما يجعل النتائج وثيقة الصلة بخطط الاستعداد للطوارئ الصحية المقبلة، إذ يمكن أن تدخل سلامة العاملين الصحيين بوصفها مؤشرًا معتمدًا عند تقويم جاهزية المستشفيات لأي أزمة صحية واسعة النطاق في المستقبل
وخلاصة القول إن تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها في المستشفيات الصينية خلال الجائحة حققت مكسبًا مزدوجًا، ضبطًا للعدوى وخفضًا لعنف المرضى والزوار ضد العاملين الصحيين، مما يرشح الحفاظ على عناصرها التنظيمية الناجحة ضمن سياسات سلامة المستشفيات وأمن كوادرها حتى بعد انحسار الجائحة
