تتجه الصناعات الكيميائية الخضراء نحو ابتكار مكونات جديدة لمنتجات العناية الشخصية والمنزلية تُصنع من ثاني أكسيد الكربون المعاد تدويره، بما يحول غازًا مسؤولًا عن الاحتباس الحراري إلى مدخل إنتاجي مفيد يخفف من البصمة البيئية للمنتجات الاستهلاكية اليومية
غير أن نجاح هذه الابتكارات لا يتوقف على جدواها التقنية فحسب، بل على قبول المستهلكين لها واستعدادهم لشرائها، وهو قبول يتشكل عبر منظومة من القيم والمعتقدات والمعايير الشخصية وإدراك مخاطر تغير المناخ، ومن المتوقع أن تحتوي منتجات العناية الشخصية والمنزلية المقبلة على هذه المكونات المبتكرة، ما يجعل فهم دوافع قبولها قبل طرحها في الأسواق ذا قيمة استباقية للمصنعين والمسوقين
ويقدم نموذج القيم والمعتقدات والمعايير إطارًا نظريًا راسخًا لتفسير السلوك المؤيد للبيئة، إذ يفترض سلسلة سببية تبدأ من القيم وتنتقل عبر المعتقدات وإدراك العواقب وتحمل المسؤولية وصولًا إلى المعايير الشخصية التي تولد النوايا السلوكية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص نموذج القيم والمعتقدات والمعايير بعد تعديله بإدراج إدراك مخاطر تغير المناخ، وذلك في ثلاث دول هي فرنسا وألمانيا وإسبانيا، للتعرف إلى نوايا المستهلكين لشراء منتجات العناية الشخصية والمنزلية التي ستحتوي على مكونات مبتكرة مصنوعة من ثاني أكسيد الكربون المعاد تدويره
ويندرج إدراج إدراك مخاطر تغير المناخ في النموذج ضمن محاولات تطوير الإطار الأصلي بإضافة متغير معرفي ووجداني يتصل مباشرة بطبيعة المنتجات المدروسة المشتقة من غاز يرتبط في أذهان الجمهور بمشكلة المناخ
أجرت وكالة بحوث مقابلات إلكترونية مع عينات طبقية بحسب النوع والعمر في كل دولة من الدول الثلاث، بما يضمن تمثيلًا متوازنًا لفئات المستهلكين ويسمح بالمقارنة بين السياقات الوطنية المختلفة، وحللت البيانات باختبار العلاقات السببية بين مكونات النموذج وتحليل التعديل للكشف عن الفروق بين الدول في قوة العلاقة بين المعايير الشخصية ونوايا الاستهلاك
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج صورة متسقة عبر الدول الثلاث مع فروق لافتة، ويمكن إجمالها فيما يأتي
1- كانت القيم البيوسفيرية وحدها هي التي أظهرت علاقة سببية موجبة دالة إحصائيًا مع إدراك المخاطر، دون غيرها من القيم
2- مارس إدراك المخاطر التأثير الأقوى على الوعي بالعواقب مقارنة ببقية مكونات النموذج، بما يجعله حلقة مركزية في السلسلة التفسيرية
3- أثر الوعي بالعواقب في إسناد المسؤولية، وأثر إسناد المسؤولية بدوره في المعايير الشخصية، حتى تولدت عن هذه المعايير نوايا الاستهلاك لدى المستهلكين
4- أثبت نموذج القيم والمعتقدات والمعايير قوته في تفسير نوايا شراء منتجات العناية ذات المكونات الكيميائية الخضراء، إذ فسر 58 في المئة من التباين لدى المستهلكين الفرنسيين و60.2 في المئة لدى الألمان و43.3 في المئة لدى الإسبان
5- كشف تحليل التعديل أن العلاقة بين المعايير الشخصية ونوايا الاستهلاك أقوى في فرنسا وألمانيا منها في إسبانيا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ويلاحظ أن تسلسل العلاقات في النموذج المعدل ظل متماسكًا عبر الدول الثلاث رغم اختلاف نسب التباين المفسر، بما يشير إلى صلاحية الإطار النظري للتطبيق في سياقات ثقافية متباينة مع بقاء مساحة لتأثير عوامل خاصة بكل سياق وطني
وتؤكد هذه النتائج أن تعزيز إدراك المستهلكين لمخاطر تغير المناخ مدخل فعال لتنشيط السلسلة القيمية التي تنتهي بنوايا شرائية مؤيدة للمنتجات الخضراء، فحين يدرك المستهلك العواقب ويتحمل نصيبه من المسؤولية تتحول قيمه البيئية إلى معايير شخصية ملزمة لسلوكه
وعلى الصعيد التطبيقي يمكن لمصنعي منتجات العناية والمنظفات توظيف هذه النتائج في حملات التواصل التي تبرز أساس القيم البيوسفيرية لدى الجمهور وتربط المنتج الجديد بتخفيف مخاطر المناخ، مع مراعاة الفروق بين الأسواق الوطنية في قوة العلاقة بين المعايير الشخصية والنوايا، كما تفتح المقارنة بين الدول الباب أمام دراسات أعمق في أسباب اختلاف قوة المعايير الشخصية بين المجتمعات الأوروبية وعلاقة ذلك بالثقافة البيئية السائدة ومستوى الوعي المناخي العام
وخلاصة القول إن قبول المستهلكين لمنتجات العناية والمنظفات المصنوعة من ثاني أكسيد الكربون المعاد تدويره يمر عبر سلسلة قيمية متكاملة يتصدرها إدراك مخاطر تغير المناخ وينتهي بالمعايير الشخصية مولدة لنوايا الشراء، وأن النموذج المعدل أثبت قدرة تفسيرية معتبرة في ثلاث دول أوروبية، وهو ما يمنح الصناعة الخضراء أساسًا علميًا لبناء رسائلها التسويقية والبيئية على فهم دقيق لدوافع الجمهور
