تحظى كفاءة خدمات الرعاية الصحية الأولية باهتمام متزايد في أنحاء العالم، ولا سيما في البلدان النامية التي تسعى إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة بموارد محدودة، فالرعاية الأولية هي بوابة النظام الصحي الأولى وأساس الوقاية والاكتشاف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة على مستوى المجتمعات المحلية
وقد دخل إصلاح الرعاية الصحية في الصين مرحلة المياه العميقة وأصبح يواجه معضلة تدني كفاءة خدمات الرعاية الصحية الأولية، وهي تحدٍ جوهري أمام تحقيق التغطية الصحية الشاملة، فزيادة الإنفاق وحده لا تضمن خدمات أفضل ما لم تتحول الموارد إلى مخرجات صحية فعالة، ومن هنا تناولت هذه الدراسة تقدير كفاءة هذه الخدمات وفحص العوامل المؤثرة فيها
وتقوم دراسات الكفاءة على مقارنة ما تستهلكه المرافق الصحية من مدخلات كالتمويل والكوادر والتجهيزات بما تنتجه من مخرجات خدمية، فتكشف مواطن الهدر والقصور وترشد قرارات التمويل والتوزيع الجغرافي للموارد، وهي مقاربة كمية تكتسب أهمية خاصة في الأنظمة الصحية واسعة النطاق متعددة المستويات كالنظام الصيني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس كفاءة خدمات الرعاية الصحية الأولية في الصين على مستوى المقاطعات ورصد تفاوتاتها بين المناطق وتطور إنتاجيتها عبر الزمن، وتحديد العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياساتية التي ترفع هذه الكفاءة أو تخفضها، بما يقدم أدلة كمية تدعم صانعي سياسات الإصلاح الصحي في خطواتهم المقبلة
واعتمدت الدراسة مزيجًا من الأدوات الكمية شمل نموذج القياس القائم على الركود بصيغته الفائقة، ومؤشر مالمكويست للإنتاجية، ونموذج توبيت، وطبقتها على بيانات لوحية للمقاطعات الصينية، فأتاح هذا المزيج قياس الكفاءة النسبية بين المقاطعات وتفكيك تغير الإنتاجية عبر الزمن إلى مكوناته وربط الكفاءة بعواملها الاقتصادية والاجتماعية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج التحليل صورة مركبة لكفاءة الرعاية الأولية في الصين واتجاهاتها والعوامل المؤثرة فيها، ومن أبرزها ما يأتي
1- بينت النتائج تدني كفاءة خدمات الرعاية الصحية الأولية في الصين عمومًا، مع تفاوت ملحوظ في قيم الكفاءة بين المناطق والمقاطعات المختلفة، بما يعني أن الموارد المتاحة لا تُوظف في كل مكان بالفعالية نفسها رغم وحدة الإطار السياساتي العام
2- أظهرت إنتاجية خدمات الرعاية الصحية الأولية اتجاهًا تنازليًا عبر الزمن، يرجع أساسًا إلى تباطؤ التغير التقني في هذا القطاع، بما يشير إلى أن الابتكار ونقل التقنية لم يواكبا نمو المدخلات المتاحة للمرافق الأولية
3- تبين أن الدعم المالي مطلوب لتحسين كفاءة خدمات الرعاية الصحية الأولية، غير أن تغطية التأمين الصحي الاجتماعي القائمة ارتبطت بانخفاض الكفاءة، بما يلفت الانتباه إلى أثر تصميم التعويضات وطرائق الدفع في سلوك المرافق ومقدمي الخدمة
4- كان للتنمية الاقتصادية والتحضر والتعليم أثر ملموس في كفاءة الرعاية الأولية، إذ تتفاعل هذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية مع قدرة المرافق الصحية على تحويل مواردها إلى خدمات فعالة تلبي احتياجات الأفراد في مناطقها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن زيادة الدعم المالي ينبغي أن تبقى أولوية في البلدان النامية، لكنها لا تكفي وحدها، فالتصميم المعقول للتعويضات وطرائق الدفع المناسبة وسياسات التأمين الصحي الاجتماعي الداعمة والشاملة هي مفتاح الخطوة التالية في الإصلاح، إذ قد تذهب الموارد الإضافية هدرًا إن لم تصاحبها حوافز توجه المرافق نحو الكفاءة والجودة معًا
كما تفيد الدراسة مخططي الأنظمة الصحية في البلدان النامية الأخرى بأدوات قياس قابلة للنقل لتقدير كفاءة الرعاية الأولية على المستويات دون الوطنية، وبضرورة ربط الكفاءة بعواملها الاقتصادية والاجتماعية عند تصميم التدخلات، بدل الاكتفاء بالمقارنات الوصفية السطحية بين المرافق والمناطق التي لا تفسر أسباب التفاوت ولا توجه علاجه
وخلاصة القول إن خدمات الرعاية الصحية الأولية في الصين تعاني تدنيًا في الكفاءة تتفاوت حدته بين المناطق وتتراجع إنتاجيته عبر الزمن لتباطؤ التغير التقني، وإن رفع هذه الكفاءة يتطلب دعمًا ماليًا مستمرًا مقترنًا بإصلاح تصميم التعويضات وطرائق الدفع وسياسات التأمين الصحي الاجتماعي الداعمة
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpubh.2023.1173197/full
DOI: 10.3389/fpubh.2023.1173197
