مع مشاركة المنشآت في المنافسة السوقية وتطور التسويق الحسي، لم تعد الهوية البصرية التقليدية وحدها كافية لبناء حضور العلامة التجارية، فقد بدأت بعض المنشآت تولي الجانب السمعي اهتمامًا متزايدًا وتدخل تصميم الصوت عند تصميم شعاراتها، على نحو يضيف إلى الشعار المرئي توقيعًا صوتيًا يرافق المستهلك في تعرضه للعلامة عبر القنوات المختلفة، فالصوت كما تبين أبحاث التسويق الحسي يخاطب الذاكرة والمشاعر بمسارات تختلف عن الصورة، وقد يعلق بالذهن زمنًا أطول منها في كثير من المواقف
وتسعى المنشآت عبر التحفيز السمعي البصري والابتكار في الوسائط إلى خلق مواقف إيجابية لدى المستهلكين، وفي هذا السياق تفحص الدراسة العلاقة التفاعلية بين الشعار البصري والشعار السمعي وأثرها في سلوك المستهلك، منطلقة من نموذج نظري يربط المثيرات بالعمليات الإدراكية الداخلية ثم بالاستجابات السلوكية المترتبة عليها، وتتصل بهذا السؤال مكانة العلامة في ذهن المستهلك وقراراته الشرائية اللاحقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج للعلاقات التفاعلية البصرية والسمعية المؤثرة في سلوك المستهلك بالاستعانة بنموذج المثير والكائن والاستجابة، واختبار النموذج المفاهيمي والتحقق من فروض الدراسة، مع تلخيص أنماط العلاقة التفاعلية بين البصري والسمعي من حيث تكامل المعلومات وتآزرها وتنافسها المتبادل ودرجة التطابق بينها، وفحص أثر نية الشراء ودعم المستهلك في سلوكه عبر إدراكه للعلامة والثقة بها وإدراكه لجودتها
وجمعت الدراسة بياناتها باستبانة وُزعت على عينة عشوائية بلغ عدد أفرادها 1407 مستجيبين، واستخدمت تحليل الانحدار لاختبار الارتباط بين العلاقات التفاعلية البصرية والسمعية وسلوك المستهلك، كما تحققت من الدور الوسيط لمتغيرات إدراك المستهلك، وفي مقدمتها إدراك العلامة التجارية والثقة بها وإدراك الجودة، ويتيح حجم العينة الكبير قوة إحصائية مناسبة لاختبار العلاقات والوساطة بثقة، كما يعزز إمكانية تعميم النتائج على مجتمع المستهلكين الأوسع بدرجة معقولة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج والخلاصات أن هويات العلامات التجارية تحقق نتيجة إيجابية دالة عبر سلوك المستهلك حين تتكامل عناصرها البصرية والسمعية في رسالة واحدة متسقة تصل إلى المستهلك عبر أكثر من حاسة
2- تبين أن العلاقة التفاعلية بين الشعارين البصري والسمعي تمتد عبر أنماط متعددة تشمل تكامل المعلومات وتآزرها وما قد ينشأ بينهما من تنافس متبادل، إضافة إلى درجة التطابق التي تحكم قوة الانطباع المتولد لدى المستهلك
3- كشفت النتائج عن أثر لنية الشراء ودعم المستهلك في سلوك المستهلك عبر متغيرات إدراكية وسيطة، فإدراك العلامة التجارية والثقة بها وإدراك جودتها قنوات يمر منها تأثير التصميم السمعي البصري إلى السلوك
4- أكدت الدراسة أن إضافة تصميم الشعار السمعي البصري إلى العملية التسويقية طريقة فعالة تمكّن المنشآت والعلامات التجارية من جذب العملاء وزيادة دعمهم لها ورفع نواياهم الشرائية، سواء في الحملات الإعلانية أم في تجربة الشراء ذاتها داخل المتاجر والمنصات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا نظريًا في أدبيات التسويق الحسي وبناء الهوية، إذ تنقل الاهتمام من الشعار المرئي المنفرد إلى منظومة حسية متكاملة تتفاعل فيها الحواس، وتبين أن أثر هذه المنظومة في السلوك لا يحدث مباشرة فحسب، بل يمر بإدراكات وسيطة تشكل انطباع المستهلك عن العلامة وجودتها وجديرتها بثقته ودعمه، وتؤكد الدراسة من هذه الناحية أيضًا أن نموذج المثير والكائن والاستجابة يظل إطارًا صالحًا لتفسير سلوك المستهلك في البيئات الرقمية المعاصرة التي تتعدد فيها المثيرات الحسية وتتنافس على انتباه متلق واحد
وعلى الصعيد التطبيقي تستطيع المنشآت والعلامات التجارية توظيف هذه النتائج في تصميم شعارات سمعية قصيرة مميزة ترافق شعاراتها البصرية في الإعلانات والمنصات الرقمية ونقاط البيع، مع الحرص على التطابق بين الصوت والصورة حتى لا يتنافسا على انتباه المستهلك، فالتصميم الحسي المتسق استثمار في انطباع يتراكم مع كل تعرض جديد للعلامة
وخلاصة القول إن الشعار لم يعد صورة تُرى فقط، بل تجربة تُرى وتُسمع معًا، وقد بينت الدراسة أن التفاعل المدروس بين البصري والسمعي يعزز إدراك المستهلك للعلامة ويرفع دعمه ونواياه الشرائية، بما يجعل تصميم الصوت مكوّنًا أصيلًا في هوية العلامة المعاصرة، لا زخرفًا إبداعيًا يمكن الاستغناء عنه عند أول ضغط على موازنات التسويق
