تجمع هذه الدراسة بين بحثين متكاملين تناولا أثر الأفلام المتحركة في عدوانية تلاميذ المرحلة الابتدائية وأدائهم السلوكي وإمكان ضبط هذا الأثر ببرنامج تدريب معرفي سلوكي للتحكم في الغضب، إذ ينتشر إقبال الأطفال على الرسوم المتحركة انتشارًا واسعًا وتتضمن بعض محتوياتها مشاهد عنف قد تنعكس على سلوك المشاهدين الصغار بطرق مختلفة، ومن ثم تبرز أهمية فهم العوامل المؤثرة في هذا الأثر كالجنس ونظام الأسرة ومدة المتابعة، واختبار فاعلية التدخلات العلاجية في خفض العدوانية لدى الأطفال الأكثر تأثرًا، بما يقدم إسهامًا عمليًا للأسرة والمدرسة والمختصين النفسيين في التعامل مع المشكلات السلوكية المرتبطة بالمحتوى الإعلامي العنيف الذي يتعرض له الأطفال يوميًا
وتثير العلاقة بين المحتوى الإعلامي العنيف وسلوك الأطفال جدلًا بحثيًا وتربويًا واسعًا منذ عقود، إذ تتباين النتائج حول حجم الأثر وقوته والفئات الأكثر تأثرًا به، بينما يتفق كثير من الباحثين على أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يطبع تفاعلات الأطفال الاجتماعية ويؤثر في استجاباتهم الوجدانية والسلوكية بمرور الوقت، ومن هنا تأتي أهمية الدراسات التي لا تكتفي بتوثيق الأثر بل تختبر أيضًا سبل علاجه والتخفيف منه ببرامج تدخلية قابلة للتطبيق في البيئة المدرسية وبمشاركة الأسرة والمختصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استهدف البحث الأول فحص أثر الأفلام المتحركة في عينة من ثلاثمائة تلميذ من عشر مدارس ابتدائية في باكستان تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وتسع سنوات، نصفهم من الذكور، مع مراعاة الفروق في الجنس وأنظمة الأسرة ومدة متابعة الرسوم المتحركة، وقيست العدوانية بأربعة مقاييس فرعية من مقياس باس وبيري للعدوانية، وقيس الأداء السلوكي بثلاثة مقاييس فرعية من مقياس سلوك الطفل، إضافة إلى مؤشر اختيار الألعاب، أما البحث الثاني فطُبق فيه برنامج التحكم في الغضب المعرفي السلوكي على التلاميذ العدوانيين المختارين من البحث الأول وعددهم ستة وأربعون تلميذًا، قُسموا عشوائيًا إلى مجموعة علاجية خضعت للبرنامج ومجموعة ضابطة لم تخضع له بنسب متساوية، ثم قورنت مستويات العدوانية بين المجموعتين بعد التدخل
ثانيًا: أبرز النتائج
1 بينت نتائج البحث الأول أن الأفلام المتحركة العنيفة أثرت في السلوك العدواني للتلاميذ الذكور بدرجة أكبر من أثرها في الإناث، بينما تأثرت الفتيات بصورة أكبر بمتابعة الأفلام غير العنيفة
2 أظهرت النتائج أن المشاهدين الذكور من الأسر النووية والإناث من الأسر المشتركة أظهروا مشكلات عدوانية أكثر من غيرهم، بما يشير إلى دور نظام الأسرة في تشكيل أثر المحتوى المتحرك في سلوك الأطفال
3 ارتفعت العدوانية لدى التلاميذ ارتفاعًا دالًا إحصائيًا عند مستوى دلالة أقل من 0.001 مع زيادة مدة متابعة الرسوم المتحركة من عشر دقائق إلى ثلاثين دقيقة، بما يؤكد أهمية زمن التعرض للمحتوى
4 أظهرت نتائج البحث الثاني أن العدوانية في المجموعة العلاجية انخفضت انخفاضًا دالًا إحصائيًا بفضل برنامج التحكم في الغضب المعرفي السلوكي، بينما ظلت ثابتة دون تغيير في المجموعة الضابطة
5 خلصت النتائج مجتمعة إلى ارتباط قوي بين الرسوم المتحركة العنيفة والعدوانية والأداء السلوكي لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج نافذة جديدة لعلاج المشكلات السلوكية التي تتأثر عرضيًا بالمحتوى الإعلامي العنيف، إذ قد لا يتسنى منع التلاميذ تمامًا من متابعة الأفلام العنيفة في بيئة إعلامية مفتوحة، لكن مستويات عدوانيتهم يمكن خفضها بالتدخل العلاجي المنظم، كما تفيد النتائج أولياء الأمور في ضبط مدة المتابعة ومراقبة المحتوى الذي يتعرض له أبناؤهم، وتفيد المدارس في بناء برامج إرشادية للتحكم في الغضب لدى التلاميذ، وتدعم صانعي المحتوى الموجه إلى الأطفال في مراعاة الآثار السلوكية لمشاهد العنف في أعمالهم
كما تسلط الدراسة الضوء على مسؤولية مشتركة تتوزع بين الأسرة والمدرسة وصانعي المحتوى والجهات التنظيمية، إذ لا يكفي تحذير الأسر من المحتوى العنيف دون تقديم بدائل علاجية وتربوية عملية، ويوفر برنامج التحكم في الغضب نموذجًا قابلًا للتعميم في الإرشاد المدرسي، مع إمكان تطويره ليشمل تدريب الوالدين والمعلمين على مهارات إدارة الغضب لدى الأطفال ومتابعة أثره على المدى الطويل في بحوث لاحقة موسعة
وخلاصة القول إن متابعة الأفلام المتحركة العنيفة ترتبط بعدوانية تلاميذ المرحلة الابتدائية ارتباطًا يتأثر بالجنس ونظام الأسرة ومدة المتابعة، وإن برامج التدريب المعرفي السلوكي للتحكم في الغضب تقدم مدخلًا علاجيًا فعالًا لخفض هذه العدوانية حتى مع استمرار التعرض للمحتوى العنيف، مما يجمع بين الوقاية الأسرية والتدخل المدرسي في مواجهة المشكلة








