0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

حين تهم القيم أكثر من السلوك: النزاهة السلوكية في السفر الجوي ودعم سياسات المناخ

فحصت الدراسة النزاهة السلوكية في الطيران لدى 2410 مشاركين في ألمانيا، مصنفة إياهم بحسب اتجاهات تجنب الطيران وسلوكه الفعلي، فتبين أن الاتجاهات لا السلوك الحديث هي المنبئ الرئيس بدعم سياسات المناخ، وأن المتجنبين اتجاهًا يؤيدون السياسات بقوة سواء طاروا أم لم يطيروا

يستأثر الطيران بحصة غير متناسبة من انبعاثات الكربون المرتبطة بالسياحة، ويعبر كثير من المسافرين عن قلقهم البيئي بينما يستمرون في الطيران، في تجلٍ واضح لفجوة الاتجاه والسلوك الموثقة في الأدبيات، وتناولت هذه الدراسة مفهوم النزاهة السلوكية في الطيران، ويعني مواءمة إعلان تجنب السفر الجوي لأسباب بيئية مع سلوك الطيران الفعلي، لتقدير ما إذا كانت أنماط النزاهة تتنبأ بدعم سياسات المناخ، وهي مسألة مهمة لأن سياسات الحد من انبعاثات الطيران تتوقف في قبولها العام على قيم الجمهور بقدر ما تتوقف على سلوكه الفعلي، وتتفرع عن ذلك أسئلة حول جدوى مخاطبة المسافرين بخطاب سلوكي يركز على تقليل الرحلات وحده دون الالتفات إلى قناعاتهم وقيمهم المعلنة

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

اعتمدت الدراسة على بيانات مسح ممثلة وطنيًا من ألمانيا شملت 2410 مشاركين، وصُنف المستجيبون إلى أربع مجموعات استنادًا إلى اتجاهاتهم نحو تجنب الطيران ونشاطهم الطيراني المبلغ عنه خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، واختُبرت المنبئات النفسية للانتماء إلى المجموعات بانحدار متعدد الفئات بأسلوب الشبكة المرنة، كما قُيّمت الفروق في الدعم البيئي ودعم سياسات المناخ بتحليلات تباين مصاحبة عاملية، وبذلك فصلت الدراسة بين أثر الاتجاه المعلن وأثر السلوك الحديث في تشكيل المواقف من سياسات المناخ، وهو فصل نادرًا ما يتحقق في مسوحات السفر والبيئة التي تكتفي غالبًا برصد أحد الطرفين دون الآخر، وبنيت المجموعات الأربع من تقاطع الاتجاه والفعل فشملت متجنبين قولًا وفعلًا، ومتجنبين قولًا طاروا فعلًا، وغير متجنبين قولًا امتنعوا عن الطيران، وغير متجنبين طاروا فعلًا

ثانيًا: أبرز النتائج

أظهرت النتائج أن القيم والاتجاهات تتقدم على السلوك الفعلي في تفسير المواقف المناخية، ويمكن عرض أبرزها فيما يأتي

1- كانت اتجاهات تجنب الطيران، لا سلوك الطيران الحديث، هي المنبئ الرئيس بكل من أنماط النزاهة السلوكية ودعم السياسات المناخية

2- أبلغ المستجيبون المتجنبون للطيران اتجاهًا عن تأييد أقوى للسياسات باستمرار، بصرف النظر عما إذا كانوا قد طاروا فعلًا أم لم يطيروا

3- خلافًا للتوقعات، عبر من طاروا حديثًا عن دعم أعلى بصورة هامشية مقارنة بمن لم يطيروا، وهو ما قد يعكس آليات تعويضية أو عوامل اجتماعية وديموغرافية مصاحبة

4- تتسق هذه الصورة مع أدبيات فجوة الاتجاه والسلوك التي تظهر أن السلوك الاستهلاكي كثيرًا ما يتخلف عن القيم المعلنة بفعل العادة والبنية التحتية وقيود الأسعار لا بفعل غياب القناعة

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

توحي هذه النتائج بوجود فرص أمام مشغلي السياحة وصانعي السياسات لإشراك المسافرين عبر مبادرات استدامة قائمة على القيم لا على السلوك وحده، فالجمهور الذي يعلن قيمًا بيئية قد يدعم سياسات مناخية أشد حتى وهو يطير، بما يخفف حدة الفرز الأخلاقي بين مسافر ملتزم وآخر مقصر، كما تعيد الدراسة الاعتبار لمفهوم النزاهة السلوكية ذاته بوصفه أداة تحليلية تفصل بين ما يقوله الناس وما يفعلونه عند قياس استعدادهم لدعم السياسات، وتدعو النتائج إلى إعادة النظر في افتراض أن تغيير السلوك شرط سابق لقبول السياسات، فقد يكون تعزيز القيم البيئية والاعتراف بها مدخلًا أسرع إلى تأييد عام يتيح تمرير إجراءات مناخية في قطاع الطيران والسياحة

وعلى صعيد صناعة السياحة توحي النتائج بأن برامج الاستدامة التي تخاطب قيم المسافرين، كخيارات التعويض الطوعي عن الكربون ورسائل المسؤولية المشتركة، قد تجد قبولًا أوسع مما توحي به معدلات الطيران وحدها، وأن اختزال المسافر في سلوكه الأخير يضيع على المشغلين رصيدًا من الاستعداد القيمي يمكن البناء عليه، كما أن تقسيم الجمهور بحسب أنماط النزاهة يمنح الحملات البيئية دقة استهداف تتجاوز التقسيمات الديموغرافية التقليدية نحو تقسيمات نفسية أقدر على التنبؤ بالمواقف والاستجابات

وخلاصة القول إن النزاهة السلوكية في الطيران تُقاس بالقيم المعلنة أكثر مما تقاس بالرحلات الفعلية، وإن بناء دعم سياسات المناخ يمر عبر مخاطبة قناعات المسافرين لا عبر محاسبتهم على سلوكهم وحسب

سلة طلب الرسائل (0)