أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أثناء جائحة كوفيد-19 ساحة رئيسة لتلقي الجمهور معلومات الصحة العامة وتفاعله معها، ف عليها تنشر الهيئات الصحية تقارير الترصد اليومية، وحولها تتبلور مشاعر المواطنين واتجاهاتهم بين الثقة والقلق والرفض، ومن هنا تنشأ قيمة تحليل المشاعر أداة لفهم المزاج العام تجاه السياسات الصحية وتوجيه استراتيجيات التواصل الاستباقي، بدل أن تبقى المؤسسات الصحية تخمن ردود أفعال جمهورها دون دليل منهجي قابل للقياس
وتتيح نماذج التعلم الآلي اليوم تصنيف آلاف التعليقات إلى مشاعر إيجابية وسلبية ومحايدة بسرعة واتساق يفوقان التحليل اليدوي، غير أن تطبيقها على تقارير الترصد الوبائي في السياق اليوناني ما يزال في بداياته، وتأتي هذه الدراسة بوصفها من الجهود الأولى في اليونان في هذا المجال، إذ حللت مشاعر الجمهور تجاه التقارير اليومية التي نشرتها المنظمة الوطنية للصحة العامة على صفحتها في فيسبوك خلال ذروة موجة وبائية شديدة الوطأة اجتماعيًا ونفسيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء تحليل للمشاعر تجاه تقارير الترصد اليومية لكوفيد-19 المنشورة على صفحة المنظمة الوطنية للصحة العامة اليونانية في فيسبوك خلال الفترة من نوفمبر 2021 إلى يناير 2022، واستكشاف الكلمات الأكثر تكرارًا في تعليقات الجمهور وما تعكسه من اهتمامات ومخاوف، وتقويم كفاءة عدد من نماذج التعلم الآلي الشائعة في تصنيف هذه المشاعر والتنبؤ بها، بما يخدم إدارة الرأي العام والتواصل الصحي أثناء الأزمات الوبائية
نفذ تحليل المشاعر باستخدام منصة مايكروسوفت أزور للتعلم الآلي، فجمعت منشورات الصفحة وتفاعلات الجمهور عليها خلال فترة الدراسة، وعالج الباحثون 300 تعليق صنفت مشاعرها إلى إيجابية وسلبية ومحايدة، وحللوا الكلمات الواردة في التعليقات وتكراراتها لاستكشاف المشاعر المرتبطة بتقارير الترصد اليومية، ثم طبقوا خوارزميات تعلم آلي متعددة للتنبؤ بتصنيف المشاعر وقارنوا كفاءتها بمعياري الدقة ودرجة القياس المتوازنة المعروفة بدرجة إف واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
1- غلبت المشاعر السلبية على اتجاهات الجمهور تجاه تقارير الترصد اليومية لكوفيد-19، بما يعكس حالة من الإنهاك والاستياء العام رافقت تصاعد أعداد الحالات في تلك الفترة من الجائحة
2- تصدرت الكلمات الأكثر تكرارًا في التعليقات مفردات الحكومة والمطعمين وغير المطعمين والتواصل الهاتفي والتدابير الصحية والفيروس واختبارات كوفيد-19 السريعة والجزيئية، وهي مفردات ترسم خريطة اهتمامات الجمهور وقلقه في تلك المرحلة
3- حقق نموذجا الشبكة العصبية ثنائية الفئات وآلة بايز النقطية ثنائية الفئات أداء متميزًا في تحليل المشاعر، بدقة بلغت 87 في المئة ودرجة قياس متوازنة تجاوزت 35 في المئة، متفوقين على النماذج الأخرى المقارنة
4- أظهرت التجربة قابلية نماذج التعلم الآلي الجاهزة في المنصات السحابية للتطبيق المباشر على بيانات التواصل الصحي الواقعية، دون حاجة إلى بنية برمجية معقدة تبنى من الصفر
5- سجلت الدراسة قيدًا منهجيًا مهمًا يتمثل في حاجتها إلى مزيد من المقارنة مع محاولات بحثية أخرى حللت مشاعر الجمهور تجاه تقارير الترصد نفسها في اليونان، وهي مقارنات محدودة التوفر بحكم حداثة المجال محليًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالة هذه الدراسة في إظهارها كيف يمكن لنماذج التعلم الآلي أن تزود سلطات الصحة العامة بمعلومات حاسمة لمكافحة المخاطر الصحية، إذ يتيح رصد المشاعر السلبية ومصادرها إغناء استراتيجيات التواصل وتصميم إجراءات استباقية تعالج مخاوف الجمهور وتحد من الشائعات وتدعم الالتزام بالتدابير الوقائية، كما يقدم التحليل اللفظي للتعليقات مادة غنية لفهم أولويات المواطنين الأسئلة التي تشغلهم فعلًا، ويؤسس لتجربة يونانية أولى قابلة للبناء عليها في أزمات صحية مستقبلية
وخلاصة القول إن تحليل المشاعر بالتعلم الآلي أداة واعدة لفهم نبض الجمهور أثناء الأوبئة وتوجيه التواصل الصحي بذكاء، وقد أثبتت هذه الدراسة جدواه على بيانات يونانية واقعية بدقة تصنيف بلغت 87 في المئة لدى أفضل النماذج، وبغلبة سلبية في المشاعر تستدعي انتباه صانعي السياسات، وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات مقارنة أوسع تعمق هذه الانطلاقة المبكرة وتحولها إلى منظومة رصد رأي عام صحي ناضجة
