تحظى قضية استمرار الطلاب في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات باهتمام متزايد في أدبيات التعليم العالي، إذ تمثل هذه التخصصات ركيزة أساسية للتنمية والابتكار، غير أن معدلات التسرب منها ما تزال مرتفعة لدى فئات بعينها من الطلاب، وفي مقدمتهم الطلاب منخفضو الدخل والمنتمون إلى خلفيات اجتماعية وثقافية متنوعة، وتنبع أهمية هذه الدراسة من تركيزها على الثروة الثقافية التي يحملها هؤلاء الطلاب إلى البيئة الجامعية، وعلى كيفية توظيف هوياتهم ودافعيتهم ومواردهم في دعم استمرارهم ونجاحهم، بدل النظر إليهم من زاوية العجز والاحتياج وحدها
وتنطلق الدراسة من ملاحظة مفادها أن تجربة الطالب الجامعي لا تتشكل من عامل واحد منفرد، بل من شبكة متداخلة من الهويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتقاطع فيما بينها، فتؤثر في صورة الطالب عن ذاته وفي شعوره بالقدرة على الفعل والاختيار، وفي مدى اندماجه في ثقافة المجتمع العلمي وصلاته بأعضائه، ومن هنا فإن فهم استمرار الطلاب في التخصصات العلمية يقتضي مقاربة شاملة تراعي هذا التقاطع، وتفحص البيئات التعليمية المصممة قصديًا لدعم قرارات الطلاب وتنمية شخصياتهم وبناء انتمائهم إلى مجتمع العلوم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث كيفية إسهام هويات الأفراد وعقلياتهم ومواردهم، داخل بيئات تعليمية تُبنى عمدًا لدعمهم، في زيادة استقطاب الطلاب الموهوبين أكاديميًا من ذوي الدخل المنخفض ومن خلفيات متنوعة، وضمان استمرارهم ونجاحهم في سياق التعليم الجامعي العلمي، واعتمدت الدراسة إطارًا مفاهيميًا يجمع بين التقاطعية والدافعية وتقرير المصير الذاتي والكفاءة الذاتية، بوصفها عدسات متكاملة لتفسير تجربة الطالب، وجاءت الدراسة بحثًا تجريبيًا فحص عوامل متعددة مؤثرة في بقاء الطلاب واستمرارهم، من بينها الأداء الأكاديمي في المقررات الدراسية، وصورة الذات، والفاعلية الذاتية للطالب، والدعم المالي، والاندماج الاجتماعي في ثقافة العلوم، مع الانتباه إلى كيفية تأثر هذه العوامل سلبًا بالهويات المتقاطعة للطلاب إذا لم تُعالج معالجة واعية داخل البيئة الجامعية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج أن الأداء الأكاديمي في المقررات الدراسية يظل عاملًا مؤثرًا بقوة في احتفاظ الطلاب بتخصصاتهم العلمية واستمرارهم فيها، فكلما تحسن تحصيل الطالب في مقرراته ازدادت فرص بقائه في المسار العلمي وتراجعت احتمالات انسحابه منه
2- تبين أن صورة الطالب عن ذاته وشعوره بالفاعلية والقدرة على اتخاذ القرار عنصران جوهريان في الاستمرار، إذ يرتبط تقدير الطالب لذاته داخل البيئة العلمية ارتباطًا وثيقًا بعزمه على مواصلة الدراسة وتجاوز صعوباتها
3- أكدت النتائج أن الدعم المالي يمثل ركيزة عملية لا غنى عنها لطلاب الأسر منخفضة الدخل، لأن الضغوط الاقتصادية قادرة على إضعاف الاستمرار وتهديد المسيرة الدراسية مهما بلغت درجة الدافعية لدى الطالب
4- برز الاندماج الاجتماعي في ثقافة العلوم عاملًا حاسمًا في الاستمرار، فشعور الطالب بالانتماء إلى المجتمع العلمي ومشاركته في أنشطته وفعالياته يعزز ارتباطه بالتخصص ويقلل من احتمالات الانسحاب والتحول إلى تخصصات أخرى
5- كشفت الدراسة عن اعتبارات إضافية خاصة بالطلاب منخفضي الدخل من الخلفيات المتنوعة، ينبغي أخذها في الحسبان عند دعم استمرارهم ونجاحهم، لأن الهويات المتقاطعة قد تؤثر سلبًا في العوامل السابقة مجتمعة إذا أُهملت أو لم تُفهم فهمًا صحيحًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجلى دلالات الدراسة في دعوتها مؤسسات التعليم العالي إلى تجاوز النظرة الأحادية لطالب العلوم، واعتماد بيئات تعليمية مقصودة التصميم تدعم قرار الطالب وتنميته وصلاته بالمجتمع العلمي، مع بناء برامج إرشاد ودعم مالي وأكاديمي تراعي تنوع الخلفيات وتقاطع الهويات، كما تفيد النتائج القائمين على برامج استقطاب الطلاب الموهوبين من الفئات الأقل دخلًا في توجيه الموارد نحو ما يعزز صورة الطالب عن ذاته وكفاءته الذاتية واندماجه الاجتماعي، وهي مسارات قابلة للنقل والتكييف في سياقات جامعية أخرى تواجه تحديات مشابهة في الاحتفاظ بطلاب التخصصات العلمية ودعم نجاحهم
وخلاصة القول إن استمرار الطلاب منخفضي الدخل من الخلفيات المتنوعة في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات ثمرة تفاعل متكامل بين الثروة الثقافية والهوية والدافعية والدعم المؤسسي، وإن البيئات التعليمية التي تُبنى قصديًا لاحتضان هذا التفاعل ورعايته قادرة على تحويل التحديات المرتبطة بالهويات المتقاطعة إلى فرص حقيقية للنجاح والتميز الأكاديمي
