تحتل الثقافة الصحية مكانة جوهرية في تحقيق الصحة المثلى للأفراد والمجتمعات، فهي التي تمكن المريض من الوصول إلى المعلومات الصحية وفهمها وتقويمها واستخدامها في قرارات سليمة بشأن مرضه وعلاجه، وتشكل هذه الثقافة جزءًا أصيلًا من أدوار الممرضين ووظائفهم، إذ يقع عليهم بحكم قربهم اليومي من المرضى عبء كبير في سد فجوات الفهم الصحي وتحويل المعلومات الطبية المعقدة إلى إرشادات قابلة للتطبيق
وتأتي هذه المراجعة النطاقية لتصف أدوار الممرضين في تعزيز الثقافة الصحية لدى المرضى، وتحدد العوامل المؤثرة في الثقافة الصحية ضمن ممارسات التمريض، بما يقدم خريطة معرفية منظمة لهذا المجال المتنامي ويوجه الباحثين والممارسين إلى مواضع القوة والفجوات فيه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المراجعة إلى وصف أدوار الممرضين في دعم الثقافة الصحية للمرضى وتحديد عواملها المؤثرة في الممارسة التمريضية، فأجرت بحثًا تكامليًا في أربع قواعد بيانات عالمية باستخدام توليفات متنوعة من الكلمات المفتاحية المتصلة بالثقافة الصحية والمعلومات الصحية وثقافة المرضى والممرضين، واعتمدت معايير إدراج تشترط أن تكون المقالات محكمة ومركزة على مهنة التمريض ومناقشة صراحة للثقافة الصحية المرتبطة بها ومتضمنة دراسات أصلية مقطعية أو شبه تجريبية أو نوعية، ومنشورة بين عامي 2017 و2022، فاستقر التحليل على ثلاث عشرة مقالة مستوفية للمعايير
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت المقالات المستعرضة تنوع سياقات الثقافة الصحية التمريضية وغنى الأدوار التي يؤديها الممرضون فيها، ويمكن إيجاز أبرز النتائج فيما يأتي
1- تناولت معظم الدراسات المستعرضة الثقافة الصحية المرتبطة بالممارسة التمريضية في البيئات السريرية والمجتمعية، إلى جانب المؤسسات التعليمية التي تعد الممرضين وتمنحهم هذه الكفايات
2- تمثلت الأدوار الداعمة للممرضين في كونهم مقدمي رعاية مباشرة للمرضى، وميسرين يسهلون وصولهم إلى المعلومات والخدمات، ومثقفين يعلمونهم ما يعينهم على إدارة حالاتهم الصحية
3- يساعد الممرضون المرضى بهذه الأدوار على تجاوز حدود ثقافتهم الصحية المنخفضة والوصول إلى مستويات أفضل من الرفاه الصحي والاستقلالية في إدارة المرض
4- حددت المراجعة عوامل متعددة تؤثر في الثقافة الصحية لدى المرضى ينبغي للممرضين إدراكها، واستثمارها فرصًا لتحسين الثقافة الصحية بدل عدها عوائق فحسب
5- يستطيع الممرضون رفع مهارات الثقافة الصحية لدى مرضاهم بجعل المعلومات الصحية المرتبطة بأمراضهم أيسر وصولًا وفهمًا وتقويمًا واستخدامًا في حياتهم اليومية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن مدخل الثقافة الصحية قابل للتطبيق في أيدي الممرضين لحل المشكلات الصحية ورفع جودة الرعاية المقدمة للمرضى، فحين يصمم الممرض تعليمه الصحي بحسب مستوى ثقافة المريض ولغته وسياقه، تتحسن قدرة المريض على الالتزام بالعلاج وفهم التعليمات واتخاذ قرارات صحية رشيدة، وتنخفض أخطاء الاستخدام وسوء الفهم التي ترهق المنظومات الصحية
كما تدعو المراجعة إلى تضمين كفايات الثقافة الصحية في تعليم التمريض وتدريب الممارسين، وتطوير مواد تعليمية مبسطة ووسائل تقييم سريعة لمستوى الثقافة الصحية لدى المرضى في الأقسام السريرية ومراكز الرعاية المجتمعية، بما يجعل دعم الثقافة الصحية ممارسة منهجية مقصودة لا جهدًا فرديًا متقطعًا يختلف باختلاف الممرضين والمؤسسات
ويقتضي تفعيل هذه الأدوار منظومة داعمة تبدأ من إدارة المؤسسة الصحية، بتوفير وقت مخصص للتثقيف الصحي داخل جداول التمريض ومواد مبسطة بلغات المرضى ووسائط مرئية تعين محدودي القراءة، ولا يقاس نجاح الممرض فيها بعدد المعلومات المنقولة بل بقدرة المريض على ترديد التعليمات بأسلوبه وتطبيقها في منزله بأمان، وهو معيار عملي يمكن ملاحظته وتقويمه في الزيارات اللاحقة والمتابعات الدورية المنظمة، وتتضاعف قيمة هذا النهج مع الأمراض المزمنة التي يمتد علاجها سنوات طويلة
وخلاصة القول إن الممرضين يقفون في قلب جهود دعم الثقافة الصحية لدى المرضى بما يؤدونه من أدوار الرعاية والتيسير والتثقيف، وإن نجاحهم في هذا الدور رهين بتبسيط المعلومات الصحية وتكييفها مع خصائص كل مريض وعوامله المؤثرة، وبتبني المؤسسات الصحية مدخل الثقافة الصحية سياسة وممارسة، بما يرفع جودة الرعاية ويمكّن المرضى من إدارة صحتهم بثقة وكفاءة








